من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر ابتداء ملك ابن دمنة آمد
قد تقدم القول أن آمد وميافارقين كان بهما جماعة من الخراسانية والديلم، وأنهم كانوا يؤذون الناس، وينظرون إلى أخذ أموالهم، والتعرض لحريمهم، ويسيئون العِشرة معهم، والحسن التميمي مساعد لهم على ذلك. وكان الديلم يجتمعون تحت قبة بالسوق، فاتفق أن خرجت امرأة من حمام الحطابين فوثب واحد من جماعة الديلم سكران. فجذب المرأة وقبلها، فصاحت واجتمع الناس وخلصوها منه. ومضت إلى زوجها، وكان قصابا، فأعلمته بالحال وقالت: إما أن تكونوا رجالا وتحمون النساء، وإلا فألزموا البيوت وكونوا نساء. وأنا فقد حفظت نفسي، فإن كان فيكم نخوة فستظهر.
وكان بآمد شيخ يُعرف بعبد البِّر، وهو شيخ البلد، يُرجع إلى رأيه. فاجتمع جماعة من أهل البلد وقصدوا الشيخ عبد البر وشكوا حالهم إليه. فأشار عليهم بقتل أبي علي الحسن التميمي، فقالوا: كيف السبيل إلى قتله؟. قال: إذا دخل الدركاه بالقصر فانثروا عليه الدراهم، واقصدوا بها وجهه، فسيستر وجهه عند ذلك، فثبوا عليه حينئذ وقتلوه. فلما دخل القصر فعلوا ما قال لهم، ونثروا عليه الدراهم، وقصدوا بها وجهه، فجعل يستر وجهه فوثبوا عليه. وكان فيهم رجل يُعرف بابن دمنة حمالا، وكان ذا بأس ونجدة، وقوة نفس، فهجم عليه وباشر قتله وحز رأسه ورمى به إلى جماعة من الديلم، فلما عاينوا الرأس انهزموا وقصدوا ميافارقين وقال عبد البر - شيخ البلد - عند ذلك: يا أهل آمد! أنا قد قتلته لكم، فمن أطاعني كنت له، ومن عصاني فالأمر إليه. فلما رأى أهل البلد ذلك حاروا، وأجاب الجميع بالسمع والطاعة فاستحلفهم واستولى على آمد، وقبض ما بها من الخزائن، وعلا شأن ابن دمنة عنده إلى أن زوجه بابنته.
وأما أصحاب التميمي فإنهم لما وصلوا إلى ميافارقين لم يخف على النائب بها أنهم خائفون، فأنكر ذلك، وقال لهم: لا يكون الأمير قد عدم، فإن كان حيا فالبلاد بلاده، وإن كان قد عدم عملنا رأينا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع