من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر قتل عبد البر وتمليك ابن دمنة
وأما ابن دمنة فإنه واقعه الحسد لعبد البر لكونه كان هو المباشر للقتل، والأمر والنهي لغيره. فاصطنع لعبد البر دعوة ودعاه إليها، وأعمل الحيلة إلى أن قتله وخرج إلى أهل البلد برأسه وقال لهم: إن هذا الشيخ كان قد عزم على قتلي وقتل أكابركم، وقد بدأت به وقتلته. ورمى برأسه إليهم، فلما رأوا الرأس أجابوه بالسمع والطاعة. فاستحلفهم وفتح الخزائن وفرق الأموال، وأحسن إلى أهل آمد وعمرها وحصنها وحسنها.
وكان المعتضد لما حاصرها هدم من شراريفها مواضع، فعاد ابن دمنة رمّها وعلّى سورها.
ومن عجائب الاتفاقات أن ابن دمنة كان أولا حمالا وأنه حمل يوما كارة حنطة، ودخل بها بين السورين، فتركها عن ظهره وجلس يستريح فجعل ينظر إلى السور وما هو عليه من حُسن العمارة والحصانة وإحكام البناء فقال: ما أحسنه وأحصنه؟! لولا قِصرٌ فيه، لئن ملكني الله هذه المدينة لأزيدن في سورها ارتفاع قامة. فاتفق أن الله ملكه البلد فوفى بنذره وزار في ارتفاع السور، والزيادة ظاهرة إلى الآن تُرى به.
واستولى ابن دمنة على آمد وميافارقين وكاتبته الخلفاء العباسيون والمصريون، وأتته هداياهم وتواقيعهم وهدايا الملوك من جميع النواحي، وأعطى الجزيل من الأموال، وسار ذكره، فقصدته الشعراء وامتدحته، وقصده التُهامي وامتدحه.
وكان إذ ركب يُقاد بين يديه سبعون جنيبا بمراكب الذهب المرصعة بالجواهر، وقوي أمره وعظم شأنه.
وكانت ولايته ثماني وعشرين سنة، ذكره أحمد بن يوسف ابن علي بن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -. وذكر ابن الأثير، أن ولاية ابن دمنة كانت ثلاثا وعشرين سنة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع