تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر حصار عسكر حلب ميافارقين

لما قصدوا الخوارزمية حلب بعد كسر عسكرها في سنة ثمان وثلاثين وست مائة. وكان عسكر حلب يومئذ مُفرَّقا في البلاد. بعضه بحمص لما أغاروا الفرنج على بلدها، وبعضه في الروم صحبة الأمير حسام الدين ألطاش بن تركمان، وبعضه بقلعة جعبر مع الأمير ناصح الدين أبي المعالي الفارسي، وبعضه بعزازٍ بسب التركماني الآغا خريه ولم يكن بحلب يومئذ إلا دون الألفي فارس، وهي التي خرج بها الملك المعظم فخر الدين توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين، فالتقى بهم، واتفق ما قدَّره الله من كسرهم. فاهتمت الملكة خاتون بجمع العساكر، فدخلت الخزائن وأخرجت الأموال، واستخدمت الأجناد، وطلبت النجدة من الملوك.

فكان ممن طُلب منه نجدة الملك المظفر شهاب الدين غازي فحصل منه تسويف ومماطلة إلى أن قدرها الله تعالى اجتماع العساكر وكسر الخوارزمية وملك الجزيرة فوصل من شهاب الدين غازي كمال الدين، أبو سالم بن طلحة مُهنئاً للسلطان الملك الناصر بلمْك الجزيرة، ومُعتذرا عن قعوده، وتأخر نجدته. ويطلبُ بعد ذلك الصلح والموادعة، وألاَّ يُمكِّن غياث الدين، صاحب الرُّوم من قصد بلاده، فلم يُجبه السلطان الملك الناصر إلى ذلك. فلما عاد رسوله بما لا تهوى نفسه خرج من ميافارقين واتفق مع الخوارزمية على قصد آمد. فلما بلغ السلطان الملك الناصر ذلك أخرج الملك المعظم فخر الدين توران شاه بعسكر فسار إلى آمد فرّحل عنها الملك المظفر والخوارزمية فعاد إلى ميافارقين، سار الملك المعظم خلفه، وشنَّ الغارة على بلدها، فاعتصمت الخوارزمية بالمدينة فنُوزلوا فيها وقوتولا أشد قتالٍ.

ووصل عسكرٌ من غياث الدين نجدةً لعسكر حلب فضايقوا ميافارقين. فراسل الملك المعظم في أنه قد نشب مع الخوارزمية، وعجز عن دفعهم، وأنكم ترضونهم بمهما يقع الاتفاق عليه. فترددت الرسل في ذلك إلى أن اتفق الأمر على أن السلطان غياث الدين يُقطعُ الخوارزمية ن بلاده ما كان لهم أولا. وأن يُعطي ولده إقطاعا من الملكة خاتون - عمته - فعادوا عنه.

ثم إنه بعد مدة سيّر رسوله، ومعه رسولٌ من الخوارزمية يلتمسون من صاحب حلب إقطاعا، زيادةً على ما وقع عليه الشّرطُ، فلم يُجابوا إلى ذلك.

فلما عادت رُسلهم بالسعي المُخفق ساروا إلى بلد الموصل وضايقوها. فاستصرخ بدر الدين لؤلؤ - صاحبها - بالملك الناصر فسيّر إليه عسكرا مقدمه الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم - صاحب حمص -، والأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني مشاركا في التدبير. فلما علم شهاب الدين غازي قصدهم إياه رحل عن الموصل وقصد نصيبين فنهب بلدها، وأخذ من بها من عسكر حلب، وفيهم الأمير نجم الدين محمد بن الافتخار ياقوت - أمير حاجب - والأمير سيف الدين الجالي - من أمراء حرّان - وبعث بهم إلى ميافارقين فحبسهم بها.

فلما تحقق قصد عسكر حلب له سار إلى ميافارقين وأخرج الأمراء المذكورين، وخلع عليهم، وسيّرهم إلى الأمير شمس الدين لؤلؤ.

ثم رحل الملك المنصور لقصد شهاب الدين غازي فنزل بظاهر آمد، وبعث إلى السلطان - صاحب الروم - يستدعي منه نجدةً فتأخرت لغارات التتر على أطراف بلاد الروم وتواترت الأخبار على الأمير شمس الدين لؤلؤ والملك المنصور بملك التتر أرزن الروم، وإغارتهم على خرت برت وانهم يريدون كبس العسكر، فرحلا عن آمد وقصدا راس العين. فلما بلغ الملك المظفر ذلك خرج من ميافارقين ومعه الخوارزمية وقصد دُيَنسر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.