من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر مقتل جلال الدين وتفرُّق عسكره
" لما كان نازلا ببلد حاني ورد عليه علم الدين سنجر المعروف بقصب السكر رسولا من الملك المسعود - صاحب آمد - برسالة تتضمن الطاعة، وزيّن له قصد الرُّوم، وطمّعه في الاستيلاء عليها، وهو متى استظهر ببلد الرُّوم واستند إلى قفجاق هابه التتر وأن السلطان متى عزم على ذلك " خرج " بنفسه، وأمده بأربعة آلاف فارس ". فعدل عن المسير إلى إصبهان، وعدل إلى ناحية آمد، ونزل قريبا منا في خامس عشر شوال من سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وشرب تلك الليلة، " فأتاه في أثناء الليل تُركماني وقال: إني رأيت بمنزلتك التي كنت بها أمس نازلا عسكرا زيهم غير زيّك بخيل أكثرها شهبٌ. فكذبه وقال: هذه حيلة من لا يختار أن تتوسط بلاده. فلم تنقضِ ليلته تلك، حتى أحاط به عسكرُ التتار مُصبحين، وهو في خُماره:
فَمسّاهُمْ وفُرشُهُمُ حريرٌوصَبّحُهُمْ وفُرشُهُمُ تُرابُ
وَمَنْ في كَفِّهِ مِنْهم قناةٌكمَنْ في كفِّهِ خضابُ
وتفرَّق عسكره في الأقطار، وطاروا كلَّ مطار، وأحاطت التتر بخركاه السلطان، فحمل عليهم أورخانُ وكشفهم عنها، ودخل بعض خواصه، فأخرجه وعليه طاقيةٌ بيضاء، وأركبه الفرس وسار نحو آمد، فلم يُمكّن من الدخول إليها، فسار إلى أن ألجأه النصب والليل إلى قرية من قرى ميافارقين، فنزل ببيدرها، وأقام به يستره الليل، فأدركته التتر عند الفجر، فركب بين أيديهم، وتوقّل الجبل. وكان به أكرادٌ يحفظونه ويحفظون الطرق لِسحت يجمعونه، فأخذوه وسلبوه وهمّوا بقتله، فقال لكبيرهم سرا: أنا السلطان، فلا تعجل في أمري، في إيصالي إلى شهاب الدين غازي فيغنيك، أو إيصالي إلى بلدي فتصير ملكا.
فرغب في إيصاله إلى بلاده، وسار به حلّته، فتركه عند امرأته، ومضى إلى الجبل لإحضار خيله. ففي غيبته جاء رجلٌ من سِفلة الأكراد، ومعه حربةٌ. فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمي؟ وهلا قتلتموه؟!! " فقالت: إنَّ زوجي أُمنّه وعرف أنه السلطان.
فقال: كيف تبقونه وقد قتل لي خلاط أخا خيرا منه؟!! ثم ضربه بالحربة " ضربة " فارقت بها روحه جسمه ومحت من لوح الوجود اسمه " وذلك في حادي عشر شوال.
ولما كُبس بظاهر آمد تفرَّق عسكره، فأخذت طائفةٌ منهم نحو حرّان، وأخرى نحو سنجار ونصيبين وأخرى إلى ميافارقين فأقبل عليهم شهاب الدين غازي، وكان فيهم أطلس خان، فبقي عنده إلى أن بعثه إلى الملك الكامل وأخبره بقتل جلال " الدين " وواقعته مع التتر " وأن التتر " بعد قتل جلال الدين قصدته منهم طائفةٌ، فخرج إليهم وكسرهم وغنم أسلحتهم.... شيئا سيره إلى أخيه الملك الكامل وشكى إليه مجاورة التتر وطلب إذنه في نقل حريمه إلى مصر فلم يُجبهُ إلى ذلك. وقال: إذا أُخذت ميافارقين أخذت مصر. وكيف يليق ببني أيوب أن يفسحوا لك في ذلك، ووراءهم خمسون ألف فارس؟!! فثبت جنانه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع