من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر فتحها ومن مَلَكَها
فتحها عياض بن غنم مع مافتح من الجزيرة وديار بكر ولم تزل بيد من ولي الجزيرة وديار بكر إلى سنة خمسين ومائتين. كانت بيد إسحاق بن كنداج، ولم تزل بيده إلى أن سار إلى نصيبين وملكها في سنة سبع وستين ومائتين، واستأمن إليه عبد الله بن عيسى ابن الضيخ وابن ميمون الفارقي وإسحاق بن خلف الفارقي، وسلموا إليه ميافارقين فملكها، ولم تزل بيده مع غيرها من البلاد إلى أن توفي في السنة المذكورة، ووليها ولده محمد بن إسحاق بن كنداج.
ثم إن أحمد بن عيسى بن الشيخ توصل إلى أن سرق ماردين، ولم تزل بيده إلى أن تغلب عليها حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي العدوي وعلى دارا ونصيبين وتحصن بقلعة ماردين.
وذكر ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتين: " أن المعتضد خرج الخرجة الثانية إلى الموصل قاصدا لحمدان بن حمدون لما بلغه ميله إلى هارون الشاريّ وأنه دعا له. فلماّ بلغ الأعراب و " الأكراد " مسير المعتضد تحالفوا على أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا واعتدوا؛ فسار المعتضد إليهم " في خيله جريدة، وأوقع بهم، وقتل منهم وغرق في الزاب منهم خلق كثير.
وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين "، وكان بها حمدان، فلما بلغه قصد المعتضد إياه خرج منها هاربا، وترك بها ابنه، فنازلها المعتضد وقاتله يومه كله. " فلما " كان من الغد، ركب المعتضد وصعد إلى باب القلعه وصاح: يابن حمدان!! فأجابه، فقال: افتح الباب. ففتحه فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها.
ثم سير خلف ابن حمدان وطلبه أشدّ الطلب، وأخذ ماله بالقلعة. ثم إنه ظفر به بعد عوده إلى بغداد.
وفي عوده قصد الحسنية وبها رجل كردي يقال له شداد في جيش كثيف نحو العشرة آلاف فارس، وكان له قلعة " في المدينة "، فظفر به المعتضد، وهدم قلعته ".
وذكر الهمذاني في تاريخه أنه هدم قلعته، ثم عفا عنه وأقر على ما تغلب عليه.
وكان أهل الموصل وديار بكر قد عمهم الغلاء، فحمل إليهم حمدان من الأقوات ما أرخص عليهم الأسعار.
وأنفق على سور ملطية سبعين ألف دينار، ووقف عليهم أربع مائة فرس.
وتوفي - " ﵀ " - في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وولي ولجه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وقلده المقتدر بالله الموصل وديار ربيعة والدينور والجبل والكوفة وطريق مكة. فاستخلف ابنه سيف الدولة علياً على الجبل وله اثنتا عشرة سنة، وفيه يقول المتنبي:
يابْنَ المُعَفّرِ في نَجْدٍ فوارسَهابسيفه وله كوفان والحَرَمُ
وكان أبو الهيجاء قد أعان الوزير أبا الحسن عليّ بن عيسى في مصادرته بعشرين ألف دينار، فلما أعادها إليه حلف أبو الهيجاء أنها لا ترجع إلى ملكه، ففرقت في الفقراء وغيرهم.
وخلع أبو الهيجاء المقتدر بالله وبايع أخاه القاهر، فاجتمعت الرجالة وقتلوا نازوكا - صاحب الشرطة - فبادر أبو الهيجاء ليخرج، فقال له القاهر: تسلمني يا أبا الهيجاء؟!! قد أخلته الحمية وقال: لا، وتربة حمدان لا أسلمتك أو أقتل دونك!!. ثم إنه تبع الخدم، فرموه بالنشاب، فخلع جبته وجرد سيفه، وهجم عليهم، فأجفلوا بين يديه، ثم رموه بالسهام إلى أن أثخنوه بالجراح، وهو ينادي: يا آل تغلب؟! أين الدهماء؟!.
ثم سقط من السهام، فقطعوا يده، وحزوا رأسه.
وكان المقتدر يحبه لشجاعته، فكتب له أمانا بخطه، وقال لبعض حجابه: ويلك؟! بادر إليه وأدركه لئلا يتم عليه أمر. فلما حصل ببعض الطريق تلقاه خادم برأسه، فحزن عليه المقتدر كثيرا.
وقيل عنه: إنه كان ليلة مع بعض جواريه في خلوة في بعض أسفاره. فسمع زئير الأسد عند باب مضربة، فجرد سيفه، وخرج إليه فقتله، وعاد برأسه إلى الجارية، ولم تفر شهوته، ولا كلت آلته.
وكان قتله ﵀ في سنة سبع عشرة وثلاث مائة.
وردّ المقتدر بالله الموصل وديار بكر إلى أخيه في السنة المذكورة. ثمّ. نقلته من التاريخ المظفري.
وكان ولده نائبا عنه بماردين، فلما توفي وليها ولده ناصر الدولة أبو محمد الحسن، ولم تزل في يده إلى أن قبضوا عليه أولاده سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
وكان ينوب عنه بماردين والرحبة ابنه حمدان، فلما قبض عليه أبو تغلب في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وحمله إلى قلعة كواشي وتوفي بها، وكان قد أعطى ماردين والرحبة لولده حمدان. فلم تزل في يد حمدان ابن ناصر الدولة إلى أن دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة في شوال منها، ملكها الغنضنفر، أبو تغلب ابن حمدان، سلمها إليه نائب أخيه حمدان. فأخذ أبو تغلب ما كان لأخيه من أهل، ومال، وسلاح، وأثاث، وحمله إلى الموصل.
ولم تزل ماردين بيده، ويد نوابه، إلى أن ملك عضد الدولة الموصل في سنة سبع وستين وثلاث مائة. وملك ديار ربيعة في سنة ثمان وستين وثلاثمائة. ولم تزل في يد عضد الدولة، ويد نوابه، إلى أن توفي في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
ذكر ابن الأثير في تاريخه في تراجم ماردين وآمد: أن باد بن دوستك الكردي الحميدي - خال بني مروان - ملك ديار بكر بعد عضد الدولة. ولم يزل مالكها إلى سنة ثمانين وثلاثمائة. وتوفي وانتقلت إلى بني مروان.
قال أحمد بن يوسف بن عليّ المعروف بابن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -: إن ديار بمر بعد عضد الدولة انتقلت إلى ممهد الدولة أبي منصور بن مروان، وأضرب عن ذكر باد.
وذكر الهمذاني في التذييل: أن ممهد الدولة لم يملك ديار بكر سوى سنة واحدة.
وذكر ابن الأزرق - صاحب تاريخ ميافارقين -: أن ممهد الدولة أقام إلى سنة إحدى وأربعمائة وملك نصر الدولة آمد وديار بكر، ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وقد استوفينا حديثه في حديث آمد وميافارقين.
وملك بعد ولده نظام الدين. واستمرت في يد بني مروان إلى أن نفذ السلطان ملكشاه فخر الدولة محمد بن جهير في سنة سبع وسبعين. واستولى على ديار بكر في سنة ثمان وسبعين. ولم أعثر لها بعد ذلك على ذكر إلا في تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة ثمان وتسعين وأربعمائة في وفاة سكمان بن أرتق يذكر أن بركيارق ملك بعد وفاة والده السلطان ملكشاه، ووهب ماردين لمُغنِّ يُقال له لجا كسرى، طلب منه مارِدِبن وأعمالها، فأعطاها إياها.
وكان اتفق أن وقعت حرب بين كربوقا - صاحب الموصل - وبين صاحب آمد. فاستنجد صاحب آمد عليه بسكمان. وكان ياقوتي ابن أُخت سقمان معه. فلما التقيا أسر كربوقا لياقوتي فيمن أسر في الوقعة المذكورة، وحمله إلى قلعة ماردين لقربها من مكان الوقعة، وأودعه للمغني الذي وهبه مارِدِين. فسجنه بها. فمضت أمُّ ياقوتي إلى كربوقا - صاحب الموصل - وسألته في ولدها، فأطلقه لها، وسيّر إلى المُغني يأمره بالإفراج عنه. فلما أفرج عنه سأله أن يكون مقامه عنده بماردين، وكانت ماردين قد أعجبت ياقوتي فطمع في مُلكها والاستيلاء عليها.
وكان من حول ماردين من الأكراد قد طمعوا في صاحبها - المغني -، فأغاروا على بلد ماردين وعاثوا بها، وتكررت غاراتهم. فقال ياقوتي لصاحب ماردين: إنه قد صار بيننا مودة وصداقة، وأرى هؤلاء الأكراد قد كثر عيثهم في البلاد، وقد عزمت على ردعهم وعمارة بلدك، لما صار بيننا من الصحبة. واستأذنه في إغارته، وأن يكون مقيما ببلده، فأذن له. فجعل يركب بمن اتفق معه من " باب " خلاط ويغير على نحو بغداد، فكان يركب معه للغارة بعض أجناد القلعة طلبا للكسب، وهو يكرمهم، ويوفر نصيبهم، ولا يعرض لهم، فأمنوا إليه. فكانوا في كل غارة يزيدون إلى بعض الغارات نهض معه أكثر من بالقلعة. فلما عادوا " من الغارة " أمر بقبضهم وتقييدهم، وسبقّهم إلى القلعة ونادى من بها من أهلهم: إن فتحتم الباب، وإلا ضربت أعناق من معي؟! فامتنعوا. فقتل واحدا منهم، ففُتح له الباب، وسُلِّمت القلعة إليه، فتسلمها.
ثم إنه جمع جمعا، وسار إلى نصيبين، فأغار على بلد جزيرة ابن عمر، وهي يومئذ لحكرمش، فلما عاد أصحابه بالغنيمة، أتاهم جكرمش،. وكان ياقوتي قد لحقه مرض منعه عن الركوب ولبس السلاح، فلما رأى جكرمش طلب فرسه ليركب، فقُرِّب إليه وحمل إلى أن ركب، والتقى الجمعان، فأصاب ياقوتي سهم سقط منه. فأتاه جكرمش وهو يجود بنفسه فبكى، وقال له: ما حملك على ما صنعت يا ياقوتي؟! فلم يُجبه، ومات. فمضت زوجة أُرتق إلى ولدها سكمان وجمعت التركمان وطلبت بثأر ابن ولدها فحصر سكمان نصيبين وهي لجكرمش، فسيّر جكرمش إلى سكمان مالا كثيرا سرا فأخذه، ورضي به. وقال لأم ياقوتي: إنه قُتل على يد العرب، ولا يُعرف قاتله.
وبعد ياقوتي ملك ماردين أخوه عليٌّ وصار في طاعة جكرمش واستخلف بها أميرا اسمه عيل أيضا. فأرسل عليٌّ هذا إلى سكمان يقول له: إن ابن أخيك عليا يريد أن يُسلم ماردين إلى جكرمش، فسار سكمان بنفسه وتسلمها، فجاء إليه عليٌّ - ابن أخيه - وطلب إعادة القلعة إليه، فقال له: إنما أخذتُها لئلا يخرب البيت. وأقطعه جبل جور ونقله إليه.
وكان جكرمش يدفع إلى علي كل سنة عشرين ألف دينار. فلما أخذ عمه سكمان ماردين منه، أرسل علي إلى جكرمش يطلب منه ما كان يحمله إليه، فقال: إنما كنت أُعطيك احتراما لماردين وخوفا من مجاورتك، والآن فاصنع ما أنت صانع.
وتوفي سكمان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
فهذا دليل على أن ياقوتي ملكها عند ملك بكياروق بعد وفاة صاحبها، إما في سنة سبع أو ثمان وثمانين. ولم نقدر على تحقيق اليوم بعينه.
فلما مات سكمان ملك بعده ولده نجم الدين إيلغازي بن أُرتق وملك مدينة حلب. فكان يتردد إلى الشام، وإلى ماردين وإلى ميافارقين إلى أن توفي في سنة ست عشرة وخمس مائة بميافارقين.
وملك بعده ولده الأمير حسام الدين تمرتاش، وقام بسياستها بعد أبيه أحسن قيام. واتفق هو وعماد الدين زنكي ابن أتابك وصار يدا واحدة. وملك عماد الدين الصَّور وأعطاها لحسام الدين.
ولم يزل حسام الدين مالكها إلى أن توفي في أوائل المحرم سنة ست وأربعين وخمس مائة.
وولي مكانه نجم الدين إلبي إلى " أن " مات في سنة......
وولي ولده قطب الدين إيلغازي بن نجم الدين إلبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن سقمان بن أُرتق. ولم تزل بيده إلى أن توفي في سنة ثمانين وخمس مائة.
" وخلّف ولده حسام الدين يولق أرسلان، وكان طفلا، فوليَّ تدبير دولته نظام الدين ألبقش - مملوك أبيه - وكان لهذا - نظام الدين - مملوك أسنه لؤلؤ قد تحكّم في الدولة، فلم يترك نظام الدين يُحكِّم حسام الدين في شيء، ولا يتصرف في نفسه. فبقي كذلك إلى أن مات الصغير. وكان له أخ أصغر منه اسمه قطب الدين أرسلان، فرتبه نظام الدين في الملك مكان أخيه، فجلس في الملك، وليس له منه إلا الاسم، بل الأمر والنهي لنظام الدين لؤلؤ، فلم يزل كذلك إلى سنة إحدى وستمائة، فمرض ألبقش الذي هو نظام الدين، فأتاه قطب الدين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ، فضربه قطب الدين بسكين كانت معه فقتله. ثم دخل قطب الدين إلى نظام الدين وبيده السكين فقتله أيضا وخرج ومعه خادم له وألقى الرأسين إلى الأجناد. وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا بالطاعة. فلما تمكن أخرج من أراد، وترك من أراد، واستولى على قلعة ماردين وأعمالها، والبارعية، وقلعة الصَّور. ولم يزل قطب الدين أرسلان مالكا إلى أن مات سنة.....
وولي ولده الملك المنصور أُرتق.
وكان الملك العادل قد حاصر ماردين في سنة خمس وتسعين وخمس مائة، وملك ربضها ثم رحل عنها. ذكر ذلك ابن الأثير في تاريخه مفصلا. واستمر الملك المنصور أُرتق بها إلى أن قُتل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع