من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر ملك الملك الناصر صلاح الدين آمد وإقطاعها لنور الدين قرا أرسلان
" كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب قد نزل بحرزم - تحت ماردين - فلم يطمع بها، فسار إلى آمد، وكان نور الدين محمد ابن قرا أرسلان يطالبه بقصدها كل وقت، فسار إليها ووصلها في سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، ونازلها، وأقام بحصرها، فكان المتولي لأمرها، والحاكم فيها بهاء الدين إبراهيم بن نيسان، ولم يكن لصاحبها أمرٌ مع ابن نيسان. فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان سيرته مع أهلها، ولم يُعطِ الناس شيئا من الذخائر، ولا فرَّق فيهم دينارا واحدا ولا قوتا، وقال لأهل البلد: قاتلوا عن أنفسكم، فقال له بعض أصحابه: ليس العدو كافرا حتى يقاتلوا عن أنفسهم. فلم يفعل شيئا.
وقاتلهم الملك الناصر صلاح الدين ونصب المجانيق، وزحف عليها وهي الغايةُ في الحصانة، وبها وبسورها يُضرب المثل، وابن نيسان مستمر على حاله بالشُّحِّ بالمال، وتصرفه تصرف من قد ولّت سعادته، وأدبرت دولته. فلما رأى الناس منه ذلك تهاونوا بالقتال وجنحوا إلى السلامة.
وكانت أيام بني نيسان قد طالت وثقلت على أهل البلد، لسوء صنيعهم، وتضييقهم في مكاسبهم فالناس كارهون لها، مُحبون لانقراضها.
وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه، ويتهددهم إن هم قاتلوه. فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا، وأحبوا مُلكهُ، وتركوا القتال. فوصل النقَّابون إلى السور فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان، واشتطُّوا في الطلب، فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل - وزير صلاح الدين - يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله، وأن يؤخّر ثلاثة أيام لينقل ماله بالبلد من الأموال والذخائر. فسعى له القاضي في ذلك. فأجابه صلاح الدين فتسلم البلد في العشر الأوَّل من المحرم من هذه السنة.
وأخرج خيمته إلى ظاهر البلد، ورام نقل ماله فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه على أصحابه، واطّرحهم أمرهُ ونهيه، فأرسل إلى صلاح الدين سأله مساعدته على ذلك، فأمده بالدواب. فنُقل البعض وسُرق البعض، وانقضت الأيام الثلاثة قبل الفراغ. فمُنع من الباقي، وكانت أبراج المدينة مملوءة من الذخائر فتركها بحالها، ولو أخرج البعض منها لحفظ البلد، وترك باقي نعمه وأمواله، فإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.
فلما تسلمها صلاح الدين سلمها إلى نور الدين - صاحب حصن كيفا - فقيل له قبل أن يسلمها إليه: إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار، فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك، وسلمت إليه البلد فارغا لكان راضيا به، فإنه لا يطمع في غيره.
فامتنع من ذلك وقال: ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل عليه بالفرع.
فلما تسلمها نور الدين اصطنع دعوة عظيمة دعا إليها السلطان الملك الناصر صلاح الدين وأُمراءه، ولِمَنْ دخل من أهل البلد، وقدم من الهدايا والتحف " شيئا كثيرا ".
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع