تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

ذكر ما جرى لي مع نواب صاحب ميافارقين

كنا قدمنا القول بأن التتر طلبوه لما نزلوا على ميافارقين فأنكروه!. فلماّ تحققوا أنه أحضرت بعد يومين من هذه المحاورة، وقيل لي: صاحب ميافارقين بطلبك!!. فقلت: مالي عندي حاجة، فقالوا: تتوجه إليه بأمرنا. فقلت: ما أمرني صاحبي بذلك، فقالوا: لابدّ من مضيك إليه.

فقلت: ما الذي أقول له إذا اجتمعت به؟ قالوا: تقول له: قد جئنا من عند الملك الناصر لنشفع فيك، على أن تخرج إلى إيل خان وتكون في طاعته.

فأبيت تحمل هذه الرسالة، فأمروا بإخراجي، ومروا بي على وادٍ مملوء قتلى، وقالوا: أنت إلى ساعةٍ أخرى من هؤلاء!! فقلت: لا يدفع قضاء الله بحيلة.

فسألني بعض كبرائهم عن المانع من الدخول إليه والاجتماع به. قلت: هؤلاء يريدون أن يعملوا بي حيلة حتى أخرج صاحبها فيقتلوه ويملكوا البلد فيقتلوا من فيه، وأكون السبب في ذلك. فاستعظم ما قلته!! وقال لي: لا تتكلم بهذا تقتل.

ثمّ تقدمت إلى باب المدينة ومعي أزدمر بن بايجو فلما وصلنا إلى بابها، خرج إلينا علم الدين الأعسر - واليها - فقلت له: قد أخذت المسألة منكم ومنهم حقّها، وأنتم أخبر بمصلحتكم.

وترددنا بينهما ثلاثة أيام، وهم مع ذلك يبعثون إلينا الشواء، والحلوى، والدجاج، ليظهروا بذلك قوة، وكانوا في ضيق من الحال شديد. وقررنا الصلح على مائة ألف درهم سلطانية، وستة آلاف نصفية من عمل البلد، وثلاثين جملا، وثلاثين بغلا، وسبعين فرسا.

فأخرجوا لنا بعضها، وقالوا: متى رحلوا سيرنا الباقي إليهم.

فرحلوا من غربي البلد إلى شرقية، عازمين على الرحيل.

فوردت عليهم كتاب من بدر الدين - صاحب الموصل - يخبرهم فيها أن الشهرزورية والأمراء الصالحية وصاحب الكرك قد اتفقوا على الملك الناصر وأخرجوا عساكره من البلاد، وألجؤوهم إلى دمشق، وقد عزم على الهرب منها. هذا وكتبه تصل إليّ يحرضني على ترحيل التتر عن ميافارقين والإصلاح بين الملك الكامل وبينهم، فلما وقفوا على مكاتبته، عدلوا عن الصلح، ومالوا إلى الغدر.

وكان القتال قد بطل أياما، فاغتنم الملك الكامل الفرصة في عمارة ما هدمته المجانيق من السور.

فأحضرنا عند يشموط وسألنا عن الأمراء الصالحية وعدتهم، فأخبرته أنهم شجعاءُ الإسلام، وهم الذين كسروا عسكر اريدافرانس على دمياط. وأنهم يكونون ألف فارس، فأنكروا ذلك وقالوا: إن عدتهم أقل من هذا. فقلت لهم: أنا أعرف الذي نقل إليكم. ثم جدوا في القتال، وأمروني بالعود.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجزيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.