من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر استيلاء التتر على ميافارقين
قد مضى لنا في سنة ست وسبع وخمسين طرف من أخبارها. ووقفنا عند رحيل يشموط عنها بسبب الموتان الذي وقع في الخيل وقلة العلوفات في عسكره، وهجوم الشتاء.
فلما انقضى الفصل عاد بجيوش كثيفة إليها، ونزل عليها. وكان أهلها لما رحل عنها قد بنوا سورا وحفروا خندقا وأجروا فيه الماء من عين حنباص وعين جوزة، وقطعوه عن البلد، وبنوا الشراريف، وحفظوا الأسوار ممن يريد الخروج من البلد والهروب.
ووصل إليهم بعد نزول يشموط شرف الدين العلائي - أمير القراغلية - وقال: إني قد اشتريت هذا البلد وأهله بسبعين ألف دينار من هولاكو. وطلب منهم برانس جوخ على أنه إلى نسائه ويحضرهن إليهم. فوثقوا بقوله وأعطوه سبعين برنسا، وكان ذلك حيلة منه.
ثم وصل إليهم من بدر الدين - صاحب الموصل - مملوك أخبرهم أن بدر الدين قد بذل روحه وماله وابتاع البلد من هولاكو. فقال له علم الدين سنجر الأعسر الخوارزمي وحسام الدين بن رش وعماد الدين الهكاري: نحن نعرف محال أستاذك، والله ما ينزل إلا مع حجارتها فإنا قد بايعنا الله تعالى. وعزم حسام الدين على ضرب رقبته، فلم يمكنه عماد الدين.
ولما فارق السلطان عز الدين - صاحب بلاد الروم - هؤلاء على سروج عند قصده حلب وصل إلى ميافارقين ووقف تجاه السور. وطلب الطواشي نجم الدين مختار، وحسام الدين بن رش وعماد الدين الهكاري وعلم الدين سنجر الأعسر، فلما حضروا قال لهم: المصلحة أن يخرج الملك الكامل إلى هولاكو، فإني قد استطلقته منه، وقد عفا عنه.
فقالوا له: إن رحل عسكر التتر عنا إلى جسر القرمان خرجنا بحريمنا وأولادنا، ونحضر مع الملك الكامل إلى بين يدي " هولاكو ". فلم يجيبوا التتر إلى ذلك وقالوا: متى خرج الملك الكامل من ميافارقين تعلق بالحبال.
ولما توجه عز الدين جدوا في الحصار وقلت الأقوات في البلد، ووقع الوباء في أهله، ونصبت التتر على البلد ست مائة سلم على السور. يصعد في عرض الدرجة ست عشرة نفسا.
وكان المتسلم لباب الكر والقبلة الأمير سابق الدين لاجين الخرندار - أحد مماليك شهاب الدين غازي -. فنزل إلى بيته بعض الليالي، من غير أن يعلم به، فنزل مملوك له يسمى أقوش إلى التتر وأعلمهم بغيبة أستاذه عن الباب. فأقاموا سلما وصعد فيه نحو من ثلاث مائة نفس. وكان بين السورين خادم لصاحب الحصن يسمى دينار، فلما رآهم أخذ رمحه ومشى مع السور، وطعن منهم رجلا فوقع على أصحابه، فصاحوا، فشعروا بهم، ونهض الناس إلى قتالهم، وركب الملك الكامل والطواشي نجم الدين مختار وطلعا إلى السور، وجد القتال بين التتر وبين المسلمين، فقتلوا التتر عن آخرهم، ووقعت جثثهم خارج السور. فأمر الملك الكامل ألا يمكن التتر من أخذها. ففتح الباب وخرج منه سبعون فارسا ومئتا راجل، فأخذوا ما قدروا عليه بعد حرب شديد.
ثم اشتدت الحال على ميافارقين بكثرة القتل والجوع والفناء. فوقع الاتفاق على أن يخرج الملك الأشرف موسى ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي إلى سنتاي ويبذل له السناسنة على أن يرحل عن ميافارقين. فأجابهم إلى ذلك، خداعا منه. وتوجه فتح الدين يحيى بن بدر الدين ممدوح ابن الصرمنكي في طائفة من المغل ليسلمها إليهم، فطلب من الوالي تسليمها ظاهرا، وهو يشير إليه ألا يفعل، فتبين لهم منه ذلك فقتلوه، وبقي عندهم الأشرف موكلا عليه.
ثم اتفق بعد خروجه أن مملوكين من مماليك افتخار الدين ياقوت الخادم السّعدي ضربهما أُستاذهما بسبب تقدمهما على غلمان الملك الكامل وقلة أدبهما معهم، فعظُم ذلك عليهما وحملهما على أكاتبا التتر وقالا لهم: أيَّ شيءٍ تعطونا حتى نسلم إليكم البلد؟ فقالوا: نُعطيه لكما. وكتبوا لهما بذلك كتابا. فقالا لهم: إذا كان يوم الخميس، وهو اليوم الثالث والعشرون من ربيع الآخر ينزل الحرس إلى أشغالهم، فارموا إلينا سلّما. فلما كان سحر ذلك اليوم اتفق أن نزل افتخار الدين ياقوت وعلم الدين سنجر الخوارزمي إلى الحمام، وخلا السور، فأخذ المملوكان السُّلّم ونصباه فصعد فيه من المُغُل البهادريّة جماعةٌ، واستبق بعضهم بعضا فتكمّل على السور في الساعة الراهنة ستة آلاف نفرٍٍ، فقاتلهم الأمير حسام الدين بن رش حتى قُتل ووجدت فيه اثنتان وسبعون ضربة بالنُّشاب.
وسار الأمير علم الدين سنجر إلى الملك الكامل فاستنهض عزمته، وأيقظ همّته، فركب إليهم، ومعه الأمير علم الدين - المذكور - فقاتلا قتالا شديدا. ثم انهزم الملك الكامل واحتمى ببعض الأبراج. وأُسر علم الدين.
وكان أحد مقدَّمي المغل يسمى بوتاي نُوينَ قد رأى مصابرة علم الدين في الحرب، فطلبه من يشموط فأعطاه إياه، فحماه. فلما اطّلع سُنتاي على ذلك أخذه وقتله، وقال: هذا قَتَل من المُغُل خلقا كثيرا.
ثم هجم التتر البرج الذي فيه الملك الكامل فقاتلهم مَنْ فيه إلى أن قُتل أكثرهم، وأُخذ أسيرا، ومعه مملوكٌ له تُركيُّ يُسمى قراسُنقُر وقالوا له: نحن ما نقتلم، لأنّا لم نؤمر بذلك. وسلّموه إلى صاحب كنجْةَ وجعلوا في عنقه دوشاخ خشبٍ، وحُمل وأخوه الملك الأشرف إلى هولاكو فلقوه قريبا من سروج عائدا من الشام فاستحضر الملك الأشرف أولا، وقال: لأي معنى كنت معنا إلى أن كان الحصارُ فخرجت عنّا إلى أخيك وصرتَ معه؟.
وَلِمَ لا خرجت إلى ولدي؟ فقال: إنيَّ لم يكُن لي حُلمٌ، وإنما كان لأخي، وكنت تبعا له. فأمر بقتله، فقُتِل.
ثم أحضر أخاه الملك الكامل، فلما مثل بين يديه قال: إنه أنت تعلمُ سياسة المغل وما هم عليه، وإنهم إذا عمل أحدهم ثلاثة ذنوب يُعفى عنه، وفي الرابع يُقتل، وأنت: سقيتُك في همذان فما شربت؟ وأمرتك بهدم سور آمد وتُعطيها لرِكن الدين - صاحب بلاد الروم - ما فعلت! وقُلت لك: خُذ اخوتك، وأموالك وعساكرك والتقيني على بغداد حتى نُقاتل الخليفة فامتنعت!! والذنب الرابع: إني عبرتُ على بيوتك فلم تخرُج إليَّ، ولا سيّرت لي هدية ولا ضيافةً، ولا أبصرتَ وجهي حتى لا تموت.
فأجابه الملك الكامل: من أنت حتى أتحمل المشقة في رؤية وجهك؟! أنت ما لكَ قولٌ ولا دينٌ؛ بل خارجيٌ يجبُ عليَّ قتالك، وأنا خيرٌ مِنْكَ.
فقال هولاكو: بأي شيء أنت خيرٌ منيِّ؟ فقال: لأنني أؤمن بالله وبرسوله، ولي دينٌ وامانةٌ، ومع هذا فإن المُلك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء. وكان لنا من عَدنٍ إلى تبريز، فذهب منا ذلك. وكذلك يفعل الله بك إذا أراد، يُرسلُ عليك مَنْ يقتلك، ويسبي ذرِّيّتك، ولا يترك من عسكرك أحداً.
فقال له: كلامك أكبر منك، لأنك من السّلاطين الصِّغار؟.
ثم وكزه بسيف كان في يده فخرق بطنه. وأمر سونجق فضرب عنقه وبعث برأسه إلى الشام، فطيف به في البلاد، وعُلّق على باب الفراديس بدمشق، فبقي مدة. ثم سرقه مجد الدين - إمام مسجد رُقيّة ودفنه في طاقٍ إلى جانب محراب المسجد. ﵀.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع