من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكر توجُّه الملك المظفر إلى التتر إلى عند هولاكو
ثم توجه الملك المظفر قرا أرسلان - صاحب ماردين - في شهر رمضان إلى هولاكو، واستصحب معه هدية سنية من تحف ادخرها أبوه وجدوده، من جملتها باطيّة مجوهرة، قيمتها على ما ذكر، أربعة وثمانون ألف دينار، فاجمع به بصحرا دريه بنهر يقال له: ما الباغ - من أعمال سلماس - فأقبل عليه وأكرمه، ثم قال له: بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا من البلاد إلى مصر، وأنا أعلم أن أصحابهم كانوا السبب في خروجهم، فاترك أصحابك الذين وصلوا معك عندي، فإني لا آمنهم أن يحرفوك عني، ويرغِّبوك في النزوح عن بلادك إلى مصر، وإذا دخلتُ إلى البلاد استصحبتُهم معي، فأجابه إلى ذلك.
ثم انفصل عنه عائدا إلى بلده، فلما كان في اثناء الطريق لحقته رسل هولاكو يأمره بالعود، فعاد وفرائصه ترجفُ خوفا، والنوم لا يطرق له طرفا، فلما اجتمع به قال له: إن أصحابك أخبروني أن لك باطنا مع صاحب مصر، وقد رأيت أن يكون عندك من جهتي من يمنعك من التسحب إليه. ثم عيّن له أميرا يُدعى أحمد بٌغا، وردَّه إلى ماردين وزاده نصيبين والخابور. وأمره بهدم شراريف القلعة. ولما فارقه ضرب هولاكو رقاب الجماعة، وكانت عدَّتهم سبعين نفسا منهم: الملك المنصور ناصر الدين أرتق ابن الملك السعيد ونور الدين محمد وأسد الدين البختي وحسام الدين عزيز البختي وفخر الدين بن حاجري وعلاء الدين - والي القلعة -، وعلم الدين بن جندر. ولم يكن لأحد منهم ذنبٌ، وإنما قصد بقتلهم أن يحُصَّ جناح الملك المظفر.
واستمر الملك المظفر في الملك إلى الوقت الذي وضعنا فيه هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة. تم كان الفراغ منه بكرة نهار السبت خامس عشري رجب في سنة تسع وثمانين وسبع مائة على يد أضعف العباد الراجي عفو ربه وغفرانه سليمان بن غازي بن محمد الأيوبي. رحم الله من ترحّم عليهم، ودعا لهم المغفرة ولساير المسلمين. آمين يا ربَّ العالمين. والحمد لله والصلاة على سيد المرسلين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع