تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)

فصل (٣٧)

نيسان صعد الصدف ينفتح بعضه من بعض بعد إنّ يطفو على وجه البحر لأجل التقاط الغيث فكم ما وقع في أحدهم قطرة انظم الصدف على قطرات الغيث الذي يحصل بباطن الصدف إلى قرار البحر يربيه. كما قال:

أيلول دهري منكم لا يفارقنيوحق يري آذار ثم نيسان

فصل

قال انوشوروان العادل لوزيره بزرجمه: كم يساوي تاجي هذا؟ قال: دخل مطرة في نيسان. قال: والله ﷿ المعنى فيه؟ قال: إنّ وقع في البر فهو بر وإنّ وقع في البحر فهو در. أنشدني محمّد بن منصور الواسطي:

هو حر وإنّ ألم به الضر ففيه العفاف والأنف
والذل لا مرجى لمكرمةلان فيه المزاج مختلف
كالقطر سم إنّ حل في فم ألصل ودر إنّ ضمه الصدف

حدثني محمد بن أبي سعد القاضي الرازي قال: سمعت من لفظ أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين المعروف بابن خطية بالري قال: ليس ينفتح الصدف ويستقبل الغيث إلا في البحر المحيط وراء عالم الكون والفساد فإذا نزل الدر في الصدف سبح الصدف في قعر البحر وهو ينتقل من موضع إلى موضع إلى إنّ يستقر في مغاصه المعروف بالبحرين وكيش والمعبر وسيلان وفي مواضع شتى. وما يصاد الصدف إلا يوم يطلع النخل ويبطل يوم يقطع العذق عند انصرام النخل لأن هذا الفصل هادي الموج من قلة الموج. وكان المغاص في مباحا للناس كل يغوص لروحه ويأخذ ما قسم له من الرزق. كان اللؤلؤ من كثرته تحلية النساء والأطفال والمشايخ. وهو موسم كموسم الغلال في سائر العلم تحلية كل أحد إلاّ في هذا الوقت. فانه بطل جميع ذلك وصار الصيادون يصطادون وعليهم كتبة عمال وقباض يتسلمون منهم الأول من الآخر إلى الأول ولو وجد حبة في يد رجل لأخذ ما تحته وما فوقه.

فصل

سفر جمال الدين بختيار القابض إلى الهند رجلا برأس مال مبلغه ألف مثقال. فلما توسط الرجل الطريق أخذ به السراق وسلم معه من جملة المبلغ عشرة مثاقيل ذهب. فدخل قيس فبينا هو ذات يوم في بيته قاعدا إذ دخل عليه أسودان زنوج وقالا له: تشتري منا حبة لؤلؤ؟ فقال: نعم. فحينئذ اخرج أحدهم من فيه حبة اكبر من بيضة العصفور. فلما شاهد الرجل الحبة حار ودار ولفها في فيه وبلعها. فقالوا له: هات الحبة! فقال لهم: والله إني تركتها في فمي لأنظر صفاءها فنزلت إلى الأمعاء. فقالوا له: فما تعطينا ثمنها؟ فأخرج لهم العشرة وحلف بالله لا يملك سوى ذلك: بل خذوا منه ما شئتم وخلوا إلي ما شئتم! فعدوا ثمانية أعداد وأعطوه عددين. وسافر الرجل بالسلامة إلى إنّ وصل سفاهات فأعطى الحبة لجمال الدين بختيار القاضي وقال له: تجعلني في حل من مبلغ كان لك علي! قال له: أنت في حل وأبرأت ذمتك من مبلغ ألف مثقال. وزن كل مثقال ستّة دوانيق كل دانق أربع طياسيج وكل طيسوج أربع سعريرات. وأعطاه في يديه مائة مثقال أي يعيش فيها ويأكل فيها الخبز. فوصل خبر الحبة إلى بغداد فأنفذ الإمام أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين إليه الينفذ الحبة، فلما وصلت الحبة إلى عينه الشريفة انفذ له ثمنها ستّة آلاف مثقال. ويقال إنّها قومت بأربعة وعشرين ألف دينار.

فصل

كان ملك من ملوك كشك ومات وملك ابنه من بعده الملك. فأبصر من البضائع جمل فأطلق يده في البيع فباع وصار التجار تدخل حوفا بعد حوف يشتري كل منهم ما أراد وصلح له. فدخل الشيخ أبو طالب بن علي بن سويد ويقال عبد اللطيف ولد أبي طالب بن علي بن سويد التكريتي إلى مخازن النيل بقي منها أثنى عشر قطعة ووزن ثمنها ورفعها وسافر بها وكتب الله له السلامة إلى أن وصل تكريت. فجاء يهودس صباغ يشتري منه قطعة فأخذ قطعة ليرى العين فإذا هي قطعة ملوها لؤلؤ. فلما ابصر الشيخ أبو طالب ذلك قال لليهودي: ادفع قطعة نيل وأنت في حل منه واكتم ما رأيت! وخرج اليهودي بما معه وقام الشيخ أبن سويد علم ولده ثقب اللؤلؤ فصار الولد يثقب كل حبة تشبه بيض الدجاج ينفذ بعقود اللؤلؤ من تكريت إلى أعمال القسطنطينية العظمى وإلى آخر أعمال المغرب وإلى آخر الهند والترك وهو يبيع منه إلى الآن. قال أبن المجاور: وكان السبب في تلك القطعة إنّ الملك كان يبقي اللؤلؤ فما كان من حبة غالية كبيرة مليحة تركها في الكيس إلى إنّ كثر الشيء عليه. فلما زاد خيط له كيسا وعبى اللؤلؤ المتغالية وخيشه بخيش وركب عليه أربع عرى وجلده بجلد بقر فرع يشبه قطعة النيل وعلم فيها علامة يعرفها وعبأها بين النيل. فلما حصلت في نصيب أبن سويد فيقال إنّه لم يعرف لمّاله قياس ولا حدّثني من بركات تلك القطعة. كما قيل:

يفوت الغنى من لا ينام عن السرىوآخر يأتي رزقه وهو نائم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أسماء مكة وصفاتها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.