تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)

فصل جزيرة قيس

جزيرة يصح دورها ثلاثة فراسخ مصارية طول في عرض وهي ذات نخل وزرعات الرقظ نخل الملك وما والاها سحل يحفر الإنسان الرمل بيده فينبع عليه الماء الحلو فراتا. ويقال أن فيها كاريز جاري في بستان الملك وحفرت الملوك بها أحواضا وصهاريج في أوّل العهد وبقيت تعمر إلى الآن يملأها ماء العيون والسيول. مأكولهم السمك ويعملون منه الهرائس ويؤكل مع التمر وليس لأهلها مأكول سواء. ولم يتناولوا الطعام إلاّ باليد اليمنى لا غير وإذا كسر الإنسان بيده فهو عيب عظيم. وبناء القوم بالحجر والجص ودورهم ذات علو ورفعة يجعل أحدهم في البناء سبعة طبقات وكل دار منها شبه حصن مانع. ولا يزال بها أشجار نقلت من البصرة ويزرع به البقول وسائر الخضراوات. وفي أهلها عرق تكبر وعرق خفة وعرق جنون كما يقال: الجنون فنون. ينسبون إلى قيس بن الملوح ويقال إلى امرئ القيس والأصح إلى قيس بن زهير، وقد تقدم ذكره. لبسهم من أعمال المهدية بالمغرب ويرجعون يرخون هدبات العمائم طوال، وهم رجال البحر وليس لصاحبها خيل ولا عسكر إلاّ التوابح والبومات والهامق شبه العقارب وتجري على وجه البحر، وقد عنقوا ببلدة وسكان. ولبس نسائهم السواد. وإذا تزوج رجل امرأة وأعطاها مائة دينار أعطته المرأة مائة أخرى وكتبت عليه قبالة دين حال قار بمبلغ مائتي دينار. وكم ما زاد الرجل في المهر زادت المرأة في النقد وإذا نقص من المهر بقص من النقد. وهم قوم يعزون الغرباء ولهم بهم عناية عظيمة. وتحكم نساء هذه الأعمال على رجالها وما يفعل الرجل إلاّ ما تقول زوجته من صلاح الأمر أو فساد حال. وهذا خلاف ما قاله رسول الله (: شاوروهم وخالفوهم فان في مخالفتهم بركة.

فكانت خلفاء قيس يسلمون القطعة للسلطان الأعظم ركن الدنيا والدين أبي الفتح ملك شاه بن محمود بن الب ارسلان فلما توفي وتولى بعده السلطان الأعظم معز الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن أيوب شاه فلم يلتفت إلى الفقراء لأتساع الملك عليه والمال لديه قطع ذلك إلى أن جدد الإمام أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكان السبب فيما ذكره إنّ تاجر مات من أهل بغداد في جزيرة قيس وخل ثلاثين ألف دينار ذهبا عينا فأخذ الملك ذلك المال. وجاء الوارث بكتاب حكمى بعد أن اثبته عند الحاكم، فلما وصل الأمر إلى الملك استكبر عن أداء المال وتغلب على الوارث. ورد الوارث بكتاب الحكم إلى بغداد وعرض حاله وما تم له على الإمام. فأمر الإمام الأمير بادكين صاحب البصرة أن يقطع عنهم المادة فقطع وضاق ذلك على أهل الجزيرة. فلما رأى الملك نقصان حاله قرر على نفسه الثلاثين آلاف دينار التي للمتوفي إلى ورثته ببغداد مع نصف دخل جزيرة قيس للخليفة سنة خمس عشر وستمائة. ففي الجزيرة عامل للخليفة وعامل لصاحب كيش وكذلك في نفس الجزيرة عامل للخليفة وعامل للملك كما قال:

يا قتلي جرما بغير مودةأحذر عليك كما تدين تدان

وهذه الجزيرة حصينة طيبة نزهة وغالب سفر أهلها في البحر وشراؤهم البربهار. وليس يخرج عندهم من الضرائب الذهب إلاّ أبو نقطة ولا يشتري أحد من هؤلاء قدور البرام وقصب القنا إلاّ الملك وحده. وإن لم يبيع هذه صاحبها على الملك أخذها عنف. يقال إنّ عنده مخازن برام وغضائر ملؤها قصب القنا. ولم يقع للمسافر وقت السفر فسج إلاّ بخط سبع عشرة علامة للنواب والثامنة عشر علامة الملك. حدّثني جوشن بام بن أبي بكر بن سليمن الجاشو قال: إذا وقع الملك على الخط الفسح أعاد للرجل الخط يعني الفسح من خلال خشب من عمل يده وهو خلال يخل به الإنسان أسنانه عند أكل اللحم الحرام فان صح حمله غلام ولم يصح الخلال لمن يكتب الرقعة. قلت: فما المعنى في الخلال؟ قال: لا اعلم إلاّ إنّها رسوم جرت من قديم الزمان. قلت: ومن ينحت هذه الاخلة؟ قال: الملك بيده.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أسماء مكة وصفاتها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.