تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خطبة يزيد بن الوليد

قالوا: ولما قتل يزيد بن الوليد ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، قام خطيبا، بعد أن حمد الله واثنى عليه، ثم قال:

والله يأيها الناس، ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا، على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمني ربي، ويغفر لي ذنبي، ولكني خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله وسنّة نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور التقى، وظهر الجبار العنيد، وكثرت حوله الحزق والجنود، المستحلّ لكل حرمة، والراكب لكل بدعة. مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب، ولا يصدق بالثواب والعقاب.

وإنه لابن عمي في النسب، وكفيي في الحسب. فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من

أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي.

أيها الناس، إن لكم علي ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيته زوجا ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ فقر ذلك البلد وخصاصة أهله، بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه منه. ولا أجمّركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهاليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا احمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم واقطع نسلهم. ولكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدّر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم. فإن أنا وفيت فعليكم السمع والطاعة، وحسن الموازرة والمكانفة، وإن أنا لم أوف لكم فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح، يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم، فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يايعه. ودخل في طاعته.

أيها الناس: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

فلما بويع مروان بن محمد نبشه وصلبه. وكانوا يقرؤن في الكتب: «يا مبذر الكنوز، ويا سجادا بالأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة، وعليهم حجة، أخذوك فصلبوك».

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.