من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
خطبة جامع المحاربي
ومن محارب جامع، وكان شيخا صالحا، خطيبا لسنا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى مدينة واسط: «بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. وكذلك من قطعه العجب عن الإستشارة، والاستبداد عن الإستخارة».
وشكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق وتنقّم مذهبهم، وتسخط طريقتهم، فقال جامع:
أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنفوك لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك، فدع ما يبعدهم منك، إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
فقال الحجاج: إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف. فقال: أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار.
فقال الحجاج: الخيار يومئذ لله. فقال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله. فغضب الحجاج فقال: يا هناه، إنك من محارب. فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنا محارباإذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
والبيت للخضري.
فقال الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك فاضرب به وجهك.
قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك اغضبنا الله. فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل. وسكن وشغل الحجاج ببعض الأمر، وانسل جامع فمرّ بين صفوف خيل الشام، حتى جاوزهم إلى خيل أهل العراق. وكان الحجاج لا يخلطهم، فأبصر كبكبة فيها جماعة كثيرة من بكر العراق، وقيس لعراق، وتميم العراق، وأزد العراق فلما رأوه إشرأبوا إليه، وبلغهم خروجه فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك. فقال: ويحكم غموه بالخلع كما يغمكم بالعداوة ودعوا التعادي ما عاداكم، فإذا ظفرتم به تراجعتم وتعافيتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي، وأيها القيسي، هو أعدى لك من التغلبي. وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم.
وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام فاستجار بزفر بن الحارث.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع