من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
خطبة معاوية
الهيثم بن عدي، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أشياخه قال: لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب، دعا معاوية مسلم بن عقبة المري، والضحاك بن قيس الفهري، فقال:
أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر إلى أهل الحجاز فهم أصلك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد منهم عنك فتعهّده. وانظر إلى أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله عنهم، فإن عزل عامل في كل يوم أهون عليك من سلّ مائة ألف سيف ثم لا تدري علا م أنت عليه منهم. ثم انظر إلى أهل الشام فاجعلهم الشّعار دون الدثار، فإن رابك من
عدوك ريب فارمه بهم، فإن اظفرك الله بهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، ولا يقيموا في غير ديارهم فيتأدبوا بغير أدبهم. لست أخاف عليك غير عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي، فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذه الورع. وأما الحسين فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه. وأما ابن الزبير فإنه خبّ ضبّ.
وفي غير هذه الرواية: «فإن ظفرت بابن الزبير فقطعه إربا إربا».
فمات معاوية فقام الضحاك بن قيس خطيبا، فقال: «إن أمير المؤمنين معاوية كان أنف العرب وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضره». فصلّى عليه الضحاك بن قيس، ثم قدم يزيد ولده، فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همّام السلولي فأنشأ يقول:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةواشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لا رزء أصبح في الأقوام قد علمواكما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الدين كلهمفأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلفإذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
فانفتح الخطباء للكلام بعد ذلك.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع