تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خطبة زياد بالبصرة. وهي التي تدعى البتراء

قال أبو الحسن المدائني، وغيره، ذكر ذلك عن مسلمة بن محارب، وعن أبي بكر الهذلي قالا: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر.

قالا: فخطب خطبة بتراء، لم يحمد الله فيها، ولم يصل على النبي.

وقال غيره: بل قال:

الحمد لله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه. اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا.

أما بعد فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغيّ الموفي بأهله

على النار، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام ينبت فيها الصغير، ولا ينحاش عنها الكبير، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله، وهذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم تكن منهم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟! أقربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس.

أليس كل امرىء منكم يذب عن سفيهه، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام، ثم اطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب. حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض، هدما واحراقا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذنّ الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ واعلموا أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه. فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع اليكم. وإيّاي ودعوة الجاهلية، فإني لا آخذ داعيه بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم احداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة: فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش

قبرا دفناه فيه حيا. فكفوا عني أيديكم وألسنتكم، أكف عنكم يدي ولساني. ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام أحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأرعوا على أنفسكم، فرب مسوء بقدومنا سنسرّه ومسرور بقدومنا سنسوؤه.

أيها الناس، أنّا أصبحنا لكم سادة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أخببنا، ولكم علينا العدل والانصاف فيما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا إني مهما قصّرت عنه فلن أقصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن ابانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا به حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شرا لكم. أسأل الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي.

قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال له: كذبت، ذلك نبي الله داوود ﷺ.

فقام الأحنف بن قيس فقال: أيها الأمير، إنما المرء بجدّه، والجواد بشدّه وقد بلغك جدك أيها الأمير ما ترى، وإنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وأنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت.

فقام إليه أبو بلال مرداس بن أديّة، وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، فقال: (وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للانسان إلا ما سعى). وأنت تزعم إنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر. فسمعه زياد فقال: أنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.

وقال الشعبي: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما.

أبو الحسن المدائني قال: قال الحسن: أوعد عمر فعوفي، وأوعد زياد فابتلي.

قال: وقال الحسن تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.