من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
خطبة لعلي بن ابي طالب (ر)
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أول خطبة خطبها علي بن ابي طالب ﵀ أنه قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه:
أما بعد فلا يرعينّ مرع إلا على نفسه، فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد ينجو، وطالب يرجو، ومقصر في النار. ثلاثة، واثنان: ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيديه، ولا سادس.
هلك من ادعى، وردي من اقتحم، فإن اليمين والشمال مضلة، والوسطى الجادة، منهج عليه باقي الكتاب والسنة، وآثار النبوة. إن الله داوى هذه الأمة بدواءين: السيف والسوط، فلا هوادة عند الأمام فيهما، استتروا ببيوتكم وأصلحوا فيما بينكم، والتوبة من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت لكم أمور ملتم علي فيها ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين ولا مصيبين. أما إني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف. سبق الرجلان وقام الثالث، كالغراب همّته بطنه، يا ويحه، لو قصّ جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا
له. انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فآزروا. حق وباطل، ولكل أهل، ولئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحق لربما ولعل. ما أدبر شيء فأقبل. ولئن رجعت عليكم أموركم أنكم لسعداء، وإني لأخشى أن تكونوا في فترة وما علينا إلا الاجتهاد.
قال أبو عبيدة: وروى فيها جعفر بن محمد:
ألا أن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنّا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا. وأن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وإن بنا ترد دبرة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا غنم، وبنا فتح الله لا بكم، وبنا يختم لا بكم.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع