من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
من أقوال رسول الله وأحاديثه وخطبه
وسنذكر من كلام رسول الله ﷺ، مما لم يسبقه إليه عربي، ولا شاركه فيه أعجمي، ولم يدّع لأحد ولا ادّعاه أحد، مما صار مستعملا ومثلا سائرا.
فمن ذلك قوله: «يا خيل الله اركبي»، وقوله: «مات حتف أنفه»، وقوله: «لا تنتطح فيه عنزان»، وقوله: «الآن حمي الوطيس».
ولما قال عديّ بن حاتم في قتل عثمان ﵀: «لا تحبق فيه عناق» قال له معاوية بن أبي سفيان بعد أن فقئت عينه وقتل ابنه: يا أبا طريف، هل حبقت في قتل عثمان عناق؟ قال: أى والله، والتيس الأكبر! فلم يصر كلامه مثلا، وصار كلام رسول الله ﷺ مثلا.
ومن ذلك قوله لأبي سفيان بن حرب: «كل الصيد في جوف الفرا».
ومن ذلك قوله: «هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء»، ومن ذلك قوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين».
ألا ترى أن الحارث بن حدّان، حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب، قال: «أيها الناس، اتقوا الفتنة، فإنها تقبل بشبهة، وتدبر ببيان، وإن المؤمن لا يلسع من جحر تين»، فضرب بكلام رسول الله ﷺ المثل، ثم قال: «اتقوا عصبا تأتيكم من الشام، كأنها دلاء قد انقطع وذمها».
وقال ابن الأشعث لأصحابه، وهو على المنبر: «قد علمنا إن كنا نعلم، وفهمنا إن كنا نفهم، أن المؤمن لا يلسع من جحر مرتين، وقد والله لسعت بكم من جحر ثلاث مرات، وأنا أستغفر الله من كل ما خالف الإيمان، واعتصم به من كل ما قارب الكفر».
وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه ﷺ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجلّ عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، وكان كما قال الله ﵎: قل يا محمد: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
. فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الأفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته.
لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطىء ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر. ثم لم يسمع الناس
بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه ﷺ كثيرا.
قال: ولم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط، بل كذلك يرون المتظرف والمتكلف للغناء. ولا يكادون يضعون اسم المتكلف إلا في المواضع التي يذمونها.
قال قيس بن الخطيم:
فما المال والأخلاق إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزوّد
وإني لأغنى الناس عن متكلّفيرى الناس ضلالا وليس بمهتد
وقال ابن قميئة:
وحمال أثقال إذا هي أعرضتعن الأصل لا يسطيعها المتكلّف
قال محمد بن سلّام: قال يونس بن حبيب: «ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله ﷺ».
وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار. ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلم، يظن أنّا قد تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره. كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه! فمن كلامه ﷺ حين ذكر الأنصار فقال: «أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع». وقال: «الناس كلهم سواء كأسنان المشط»، و «المرء كثير بأخيه»، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له». وقال الشاعر:
سواء كأسنان الحمار فلا ترىلذي شيبة منهم على ناشىء فضلا
وقال آخر:
شبابهم وشيبهم سواءفهم في اللوم أسنان الحمار
وإذا حصلت تشبيه الشاعر وحقيقته، وتشبيه النبي ﷺ وحقيقته، عرفت فضل ما بين الكلامين.
وقال ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم».
فتفهم رحمك الله، قلة حروفه، وكثرة معانيه.
وقال ﵇: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».
وقال: «لا تجن يمينك على شمالك». وذكر الخيل فقال: «بطونها كنز، وظهورها حرز»، وقال: «خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة».
وقال: «خير المال عين ساهرة، لعين نائمة». وقال: «نعمت العمة لكم النخلة، تغرس في أرض خوارة، وتشرب من عين خرارة». وقال:
«المطعمات في المحل، الراسخات في الوحل». وقال: «الحمى في أصول النخل». وذكر الخيل فقال: «أعرافها دفاؤها، وأذنابها مدابها»، و «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». وقال: «ليس منا من حلق أو صلق أو شق». وقال: «نهيتكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات». وقال: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة». وقال: «ما أملق تاجر صدوق». وجاء في الحديث: «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى».
وقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
وقال علي بن أبي طالب ﵁: قال رسول الله ﷺ: «الخير في السيف، والخير مع السيف، والخير بالسيف». وقال: «لا يوردن مجرب على مصح». وقال: «لا تزال أمتي صالحا أمرها ما لم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما». وقال: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس»، و «لن يهلك امرؤ بعد مشورة». وقال: «المستشار مؤتمن». وقال: «المستشار بالخيار، إن شاء قال وإن شاء أمسك»، وقال: «رحم الله عبدا قال خيرا؟ غرم أو سكت فسلم». وقال: «افصلوا بين حديثكم بالاستغفار». وقال: «استعينوا على طول المشي بالسعي».
وقال للخاتنة: «يا أم عطية، أشمّيه ولا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج»، وقال: «لا تجلسوا على ظهر الطريق، فإن أبيتم فغضوا الأبصار وردوا السلام، واهدوا الضال، وأعينوا الضعيف». وقال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وقال: «يقول ابن آدم:
مالي مالي. وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو وهبت فأمضيت». «لو أن لابن آدم واديين من ذهب لسأل إليهما ثالثا». و «لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». وقال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها، فناظر كيف تعملون». وقال: «إن أحبكم إليي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون». وقال: «إياي والتشادق»، وقال: «إياكم والفرج في الصلاة»، وقال: «إياكم والفرج في الصلاة»، وقال: «لا يؤمّن ذو سلطان في سلطانه ولا يجلس على فراش تكرمته إلا بإذنه». وقال: «إياكم والمشارّة، فإنها تميت الغرّة، وتحيي العرّة». وقال: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعّانا». وكان يقول: «أعوذ بالله من الأيهمين، وبوار الأيّم». وكان
يقول: «أعوذ بالله من دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع».
وقال له رجل: يا رسول الله، أوصني بشيء ينفعني الله به. قال: «أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا، وعليك بالشكر، فإنه يزيد في النعمة، وأكثر الدعاء، فإنك لا تدري متى يستجاب لك. وإياك والبغي، فإن الله قد قضى أنه من بغى عليه لينصرنّه الله، وقال: يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم.
وإياك والمكر، فإن الله قد قضى ألا يحيق المكر السيء إلا بأهله».
وقيل يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ فقال: «اجتناب المحارم، وألا يزال فوك رطبا من ذكر الله».
وقيل له: أي الأصحاب أفضل؟ قال: «الذي إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك».
وقيل: أي الناس شر؟ قال: «العلماء إذا فسدوا».
وقال «دب اليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء. والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا أقول حالقة الشعر. والذي نفس محمد بيده لا تؤمنون حتى تحابوا. ألا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم؟» فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفشوا السلام، وصلوا الأرحام».
وقال: «تهادوا تحابوا».
وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: أوصاني ربي بتسع. أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية، وبالعدل في الرضى والغضب، وبالقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا».
وثلاث كلمات رويت مرسلة، وقد رويت لأقوام شتى، وقد يجوز أن يكونوا حكوها ولم يسندوها. منها قوله: «لو تكاشفتم لما تدافنتم».
ومنها قوله: «الناس بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم». ومنها قوله: «ما هلك امرؤ عرف قدره».
وقد ذكر اسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر». وقال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم» وحدثنا اسماعيل بن عياش الحمصي، عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم».
ومن حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «قيدوا العلم بالكتاب». وقال: «يقول الله: لولا رجال خشع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صبا».
ومن حديث عبد الله بن المبارك يرفعه قال: «إذا ساد القبيل فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره، فلينتظروا البلاء».
ومن أحاديث ابن ابي ذئب عن المقبري، عن ابي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ستحرصون على الامارة، فنعمت المرضع، وبئست الفاطمة».
ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان».
ومن حديث عبد الله بن المبارك، قال: كان رسول الله ﷺ:
يقول: «إن قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا، فصار لكل رجل موضع، فنقر رجل موضعه بفأس فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو فكاني أصنع به ما شئت. فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا».
وقال: «علق سوطك حيث يراه أهلك».
ودخل السائب بن صيفي، على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أتعرفني؟ فقال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني ولا يماريني».
وقال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالوالي الذي يجلد فوق ما أمره الله تعالى فيقول له الرب تعالى: أي عبدي، لم جلدت فوق ما أمرتك به؟ فيقول: رب غضبت لغضبك. فيقول: أكان ينبغي لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟! ثم يؤتى بالمقصر فيقول: عبدي، لم قصرت عما أمرتك به؟ فيقول: رب، رحمته. فيقول: أكان ينبغي لرحمتك أن تكون أوسع من رحمتي؟! قال: فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لا أعرفه، ألا أنه قال: صيرهما إلى النار».
وكيع قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر، عن قزعة قال: قال لي ابن عمر: أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك».
وقال: «كل أرض بسمائها».
وروى سعيد بن عفير عن ابن لهيعة، عن أشياخه، أن النبي ﷺ كتب إلى وائل بن حجر الحضرمي ولقومه: «من محمد رسول الله ﷺ على الأقيال العباهلة من أهل حضر موت، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: على التيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس. لا خلاط، ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار. فمن أجبى فقد أربى. وكل مسكر حرام».
ومن حديث راشد بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «لا تغالوا بالنساء
فإنما هن سقيا الله». وقال: «خير نساء ركبن الابل صوالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره. وأرعاه على بعل في ذات يده».
مجالد عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ «اللهم أذهب ملك غسان وضع مهور كندة».
والذي يدلك على أن الله ﷿ قد خصه بالايجاز وقلة عدد اللفظ، مع كثرة المعاني، قوله ﷺ: «نصرت بالصبا وأعطيت جوامع الكلم». ومما رووا عنه ﷺ من استعماله الأخلاق الكريمة، والافعال الشريفة وكثرة الأمر بها، والنهي عما خالف عنها، قوله: «من لم يقبل من متنصل عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد علي الحوض». وقال في آخر وصيته: «اتقوا الله في الضعيفين».
وكلمته جارية من السبي فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا بنت الرجل الجواد حاتم. فقال ﷺ: «ارحموا عزيزا ذل، ارحموا عالما ضاع بين جهال».
وقال: «سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأحاديث ستكثر عني بعدي كما كثرت عن الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله، فهو عني، قلته أو لم أقله».
وسئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «خلق القرآن»، وتلت قول الله ﵎: (وإنك لعلى خلق عظيم).
وقال محمد بن علي: أدب الله محمدا ﷺ بأحسن الآداب، فقال:
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فلما وعى قال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ.
حدثنا علي بن مجاهد، عن هشام بن عروة، قال: سمع عمر بن الخطاب ﵀ رجلا ينشد:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
فقال عمر: ذاك رسول الله ﷺ.
وقد كان الناس يستحسنون قول الأعشى:
تشبّ لمقرورين يصطليانهاوبات على النار الندى والمحلق
فلما قال الحطيئة البيت الذي كتبناه قبل هذا سقط بيت الأعشى.
وقال رسول الله ﷺ: «لا يزال المسروق منه في تهمة من هو بريء، حتى يكون أعظم جرما من السارق».
وقال ابو الحسن: أجرى رسول الله ﷺ الخيل وسبق بينها، فجاء فرس له أدهم سابقا، فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه وقال: «ما هو إلا بحر».
فقال عمر بن الخطاب: كذب الحطيئة حيث يقول:
وإن جياد الخيل لا تستفزناولا جاعلات العاج فوق المعاصم
وقد زعم ناس من العلماء أنه لم يستفزه سبق فرسه، ولكنه أراد إظهار حب الخيل وتعظيم شأنها.
وكان رسول الله ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض ويلبس العباء، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ويتوسد يده، ويقصّ من نفسه، ويلطع أصابعه، ولا يأكل متكئا، ولم يرقط ضاحكا ملء فيه. وكان يقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، واشرب كما يشرب العبد، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت». ولم يأكل قط وحده، ولا ضرب عبده، ولا ضرب أحدا بيده إلا في سبيل ربه. ولو لم يكن من كرم عفوه وثخانة حلمه، إلا ما كان منه يوم فتح مكة، لقد كان ذلك من أكمل الكمال وأوضح البرهان. وذلك أنه حين دخل مكة عنوة وقد قتلوا أعمامه وبني أعمامه، وأولياءه وأنصاره، بعد أن حصروه في الشعاب، وعذبوا أصحابه بأنواع العذاب، وجرحوه في بدنه، وآذوه في نفسه، وسفهوا عليه، وأجمعوا
على كيده. فلما دخلها بغير حمدهم، وظهر عليها على صغر منهم، قام خطيبا فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين».
وإنما نقول في كل باب بالجملة من ذلك المذهب، وإذا عرفتم أول كل باب كنتم خلقاء أن تعرفوا الأواخر بالأوائل، والمصادر بالموارد.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع