من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
خطبة النبي ﷺ في الوداع
قال ﷺ: الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس أسمعوا مني أبيّن لكم، فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد!.
فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الذي أئتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدا به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة والسقاية. والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله. إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، ورجب الذي بين جمادي وشعبان.
ألا هل بلّغت؟ اللهم أشهد!.
أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق. لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا.
ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!.
أيها الناس، إنما المؤمنون أخوة، ولا يحل لامرىء مسلّم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه.
ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!.
فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإن قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله.
ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.
ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب.
أيها الناس، إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث. والولد للفراش، وللعاهر الحجر. من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعن الحسن قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي ﷺ فلما رآه قال: هذا سيد أهل الوبر. فقال: يا رسول الله، خبرني عن المال الذي لا تكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال كثروا علي. قال: «نعم المال الأربعون، والأكثر الستون، وويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها ونجدتها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، ونحر سمينها، وأطعم القانع والمعتر ». قال: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها، وما يحل بالوادي الذي أكون فيه أكثر من إبلي. قال: فكيف تصنع بالطروقة؟ قال:
تغدو الابل ويغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعيد فذهب به. قال: فكيف تصنع في الافقار؟ قال إني لأفقر البكر الضرع، والناب المسنة. قال: فكيف تصنع بالمنيحة ؟ قال: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: فأي المال
أحب إليك، أمالك أم مال مولاك؟ قال: بل مالي. قال: «فمالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. وما سوى ذلك للوارث».
وذكر أبو المقدام هشام بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال:
دخلت على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فجعلت أحد النظر إليه، فقال لي: يا ابن كعب، ما لك تحد النظر إلي؟ قلت: لما نحل من جسمك، وتغير من لونك. قال: فكيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي وابتدر فمي وأنفي صديدا ودودا، كنت والله أشدّ نكرة لي. أعد علي حديثا كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس. قال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن لكل شيء شرفا، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، ومن أحب أن يكون أعز الناس فليتق الله. ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يديه»، ثم قال: «ألا أنبئنكم بشرار الناس؟» فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده». ثم قال: «ألا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنبا».
ثم قال: «ألا أنبئكم بشر من ذلك؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من يبغض الناس ويبغضونه. إن عيسى بن مريم ﵇ قام خطيبا في بني اسرائيل فقال: يا بني اسرائيل، لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم. يا بني اسرائيل، الأمور ثلامة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فإلى الله فردوه».
وقال النبي ﷺ: «كل قوم على زينة من أمرهم، ومفلحة في أنفسهم، يزرون على من سواهم. ويتبين الحق في ذلك بالمقايسة بالعدل عند أولى الألباب من الناس».
وقال ﷺ: «من رضي رقيقه فليمسكه، ومن لم يرض فليبعه، فلا تعذبوا خلق الله».
وقال في اخر ما أوصى به: «اتقوا الله في الضعيفين».
قال ابن ثوبان عن ابيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال: «إن هذا لحقّ كما إنك ها هنا». أو «كما أنك قاعد»، يعني معاذا.
صالح المري عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ: حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء».
كثير بن هشام، عن عيسى بن ابراهيم، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «الجمعة حجّ المساكين».
قال عوف، عن الحسن، أن النبي ﷺ قال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، وإنما أخذتموهن بإمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحبّ الجواد من خلقه».
أبو عبد الرحمن الأشجعي، عن يحيى بن عبيد الله، عن ابيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما خلا يهوديّ بمسلّم قط إلا همّ بقتلة»، ويقال: «حدث نفسه بقتله».
ابو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: «من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن نحرّم لحمه على النار».
اسماعيل بن عياش، عن الحسن بن دينار، عن الخصيب بن جحدر، عن رجل، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم».
وعن عبد ربه بن أعين، عن عبد الله بن ثمامة بن أنس، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «قيدوا العلم بالكتاب» وقال: «فضل جاهك تعود به على أخيك الذي لا جاه له صدقة منك عليه، وفضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة منك عليه، وفضل علمك تعود به على أخيك الذي لا علم عنده صدقة منك عليه، وفضل قوتك ترده على أخيك الذي لا قوة له صدقة منك عليه، واماطتك الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع