تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

كلمات بليغة

وإنما مدار الأمور والغاية التي يجري إليها، الفهم ثم الافهام، والطلب ثم التثبت.

وقال عمرو بن العاص: «ثلاثة لا أملهّم: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجليّ».

وذكر الشعبي ناسا فقال: «ما رأيت مثلهم أشد تنابذا في مجلس ولا أحسن تفهّما عن محدّث».

ووصف سهل بن هارون رجلا فقال: «لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا أحسن تفهما لدقيق».

وقال سعيد بن سلّم لأمير المؤمنين المأمون: «لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين، من قصده إلي بحديثه، وإشارته إلي بطرفه، لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، وتوجيه الحرية». فقال المأمون: «لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت، وحسن

التفهّم إذا حدّثت، ما لم يجد عند أحد فيمن مضى، ولا يظن أنه يجده فيمن بقي».

وقال له مرة أخرى: «والله إنك لتستقفي حديثي، وتقف عند مقاطع كلامي، وتخبر عنه بما كنت قد أغفلته».

وقال أبو الحسن: قالت إمرأة لزوجها: ما لك إذا خرجت إلى اصحابك تطلّقت وتحدثت، وإذا كنت عندي تعقدّت وأطرقت؟ قال: «لأنني أجل عن دقيقك، وتدقين عن جليلي».

وقال أبو مسهر: «ما حدثت رجلا قط إلا أعجبني حسن إصغائه، حفظ عني أم ضيع».

وقال أبو عقيل بن درست: «نشاط القائل على قدر فهم المستمع».

وقال أبو عباد كاتب أحمد بن ابي خالد: «للقائل على السامع ثلاث:

جمع البال، والكتمان، وبسط العذر».

وقال أبو عباد: «إذا أنكر القائل عيني المستمع فليستفهمه عن منتهى حديثه، وعن السبب الذي أجرى ذلك القول له: فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الحديث ونفع المؤانسة، وعرفه بفسولة الاستماع، والتقصير في حق المحدث».

وأبو عباد هذا هو الذي قال: «ما جلس بين يدي رجل قط إلا تمثل لي إني سأجلس بين يديه».

وذكر رجل من القرشيين عبد الملك بن مروان، وعبد الملك يومئذ غلام، فقال: «إنه لآخذ بأربع، وتارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأيسر المئونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقي وتارك لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأفون».

وذم بعض الحكماء رجلا فقال: «يحزم قبل أن يعلم، ويغضب قبل أن يفهم».

وقال عمر بن الخطاب ﵀ في بعض رسائله إلى قضاته: «الفّهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك».

ولا يمكن تمام الفهم إلا مع تمام فراغ البال.

وقال مجنون بني عامر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبي فارغا فتمكنا
للشاعر داود بن عيسى الأيوبي، اقرأ القصيدة

وكتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى أخيه عيينة بن أسماء بن خارجة:

أعيين هلّا إذ شغفت بهاكنت استعنت بفارغ العقل
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
أقبلت ترجو الغوث من قبليوالمستغاث إليه في شغل
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال صالح المري: «سوء الاستماع نفاق». وقد لا يفهم المستمع إلا بالتفهم، وقد يتفهم أيضا من لا يفهم. وقال الحارث بن حلزة:

وحبست فيها الركب أحدس فيكل الأمور وكنت ذا حدس

وقال النابغة الجعدي:

أبى لي البلاء وأني امرؤإذا ما تبينت لم أرتب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

وقال آخر:

تحلم عن الأدنين واستبق ودّهمولن تستطيع الحلم حتى تحلّما

والمثل السائر على وجه الدهر قولهم: «العلم بالتعلم».

وإذا كانت البهيمة إذا أحست شيئا من أسباب القانص، أحدت نظرها، واستفرغت قواها في الاسترواح، وجمعت بالها للتسمع- كان الانسان العاقل أولى بالتثبّت، وأحق بالتعرف.

ولما اتهم قتيبة بن مسلّم، أبا مجلز لاحق بن حميد، ببعص الأمر، قال له أبو مجلز: «أيها الأمير تثبت، فإن التثبت نصف العفو».

وقال الاحنف: «تعلمت الحلم من قيس بن عاصم».

وقال فيروز حصين: «كنت أختلف إلى دار الاستخراج أتعلم الصبر».

وقال سهل بن هارون: «بلاغة اللسان رفق، والعيّ خرق». وكان كثيرا ما ينشد قول شتيم بن خويلد:

ولا يشعبون الصّدع بعد تفاقموفي رفق أيديكم لذي الصدع شاعب
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.