من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
خطبة أبي بكر في الملوك
وقال ابراهيم الانصاري، وهو ابراهيم بن محمد المفلوج، من ولد أبي زيد القاريء: الخلفاء والأئمة وأمراء المؤمنين ملوك، وليس كل ملك يكون خليفة وإماما، ولذلك فصل بينهم أبو بكر ﵀ في خطبته، فإنه لما فرغ من الحمد والصلاة على النبي قال: «ألا أن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك!». فرفع الناس رؤوسهم، فقال: «ما لكم أيها الناس، إنكم لطعانون عجلون. إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما في يديه، ورغبه فيما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الاشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنه لذة الباءة، ولا يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة. فهو كالدرهم القسي، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه، إلا من امن بالله، وحكم بكتابه وسنة نبيه ﷺ. ألا إن الفقراء هم المرحومون ألا وإنكم اليوم على خلافة النبوة، ومفرق المحجة. وإنكم سترون بعدي ملكا عضوضا، وملكا عنودا، وأمة شعاعا، ودما مباحا. فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق
جولة، يعفو لها الاثر، ويموت لها البشر، وتحيا بها الفتن، وتموت لها السنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، واعتصموا بالطاعة، ولا تفارقوا الجماعة. وليكن الابرام بعد المشاورة، والصفقة بعد طول التناظر. أيّ بلادكم خرشنة؟ فإنكم سيفتح عليكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها».
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع