تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

طبقات الشعراء

ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا، وزمنا طويلا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، اتهاما لعقله، وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله، زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوله الله تعالى من نعمته. وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات، والمقلّدات، والمنقّحات، والمحكّمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا.

وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد، ومنها الشواهد، ومنها الشوارد.

والشعراء عندهم أربع طبقات. فأولهم: الفحل الخنذيذ. والخنذيذ هو التام. قال الأصمعي: قال رؤبة: «الفحولة هم الرواة». ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور. ولذلك قال الأول في هجاء بعض الشعراء:

يا رابع الشعراء كيف هجوتنيوزعمت أني مفحم لا أنطق

فجعله سكيتا مخلفا ومسبوقا مؤخرا.

وسمعت بعض العلماء يقول: طبقات الشعراء ثلاث: شاعر، وشويعر، وشعرور. قال: والشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس بن حجر.

ومنهم من بني ضبة المفوّف، شاعر بني حميس، وهو الشويعر، ولذلك قال العبدي:

ألا تنهي سراة بني حميسشويعرها فويلية الأفاعي
قبيّلة تردّد حيث شاءتكزائدة النعامة في الكراع

فويلية الأفاعي: دويّبة سوداء فوق الخنفساء.

والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل، من بني سعد بن ليث، ويقال إن اسمه ربيعة بن عثمان. وهو الذي يقول:

فسائل جعفرا وبني أبيهابني البزري بطخفة والملاح
وأفلتنا أبو ليلى طفيلصحيح الجلد من أثر السلاح
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

وقد زعم ناس أن الخنذيذ من الخيل هو الخصي. وكيف يكون ذلك.

كذلك مع قول الشاعر:

يا ليتني بالخبث لم أر مثلهاأمرّ قرى منها وأكثر باكيا
وأكثر خنذيذا يجر عنانهإلى الماء لم يترك له السيف ساقيا

وقال بشر بن أبي خازم:

وخنذيذ ترى الغرمول منهكطي الزقّ علّقه التّجار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

وأبين من ذلك قال البرجمي:

وخناذيذ خصية وفحولا

ويدل على ما قلنا قول القيسي:

دعوت بني سعد إليّ فشمّرتخناذيذ من سعد طوال السواعد
للشاعر جحدر الوائلي، من قصيدة «دعوت بني قيس إلي فشمرت»

وكان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده الحوليات.

وقد فسر سويد بن كراع العكليّ ما قلنا، في قوله:

أبيت بأبواب القوافي كأنماأصادي بها سربا من الوحش نزّعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
أكالئها حتى أعرّس بعد مايكون سحيرا أو بعيدا فأهجعا
عواصي إلا ما جعلت أمامهاعصا مربد تغشى نحورا وأذرعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
أهبت بغرّ الآبدات فراجعتطريقا أملته القصائد مهيعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
بعيدة شأو، لا يكاد يردهالها طالب حتى يكلّ ويظلعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
إذا خفت أن تروى عليّ رددتهاوراء التراقي خشية أن تطلعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
وجشمني خوف ابن عفان ردهافثقفتها حولا حريدا ومربعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة
وقد كان في نفسي عليها زيادةفلم أر إلا أن أطيع وأسمعا
للشاعر سُوَيدِ بنِ كِراع، اقرأ القصيدة

ولا حاجة بنا مع هذه الفقر إلى الزيادة في الدليل على ما قلنا، ولذلك قال الحطيئة: «خير الشعر الحولي المحكك». وقال الأصمعي: «زهير بن أبي سلمى، والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر». وكذلك كل من جوّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا إن الشعر قد كان استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة، ومن يلتمس قهر الكلام، واغتصاب الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين

تأتيهم المعاني سهوا ورهوا، وتنثال عليهم الألفاظ اشيالا. وإنما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي ورؤبة. ولذلك قالوا في شعره: مطرف بآلاف وخمار بواف. وقد كان يخالف في ذلك جميع الرواة والشعراء. وكان أبو عبيدة يقول ويحكي ذلك عن يونس.

ومن تكسب بشعره والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السماطين، وبالطوال التي تنشد يوم الحقل، لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود، ولم نرهم من ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتدارا عليه، وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه. وكانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور، ميّثوه في صدورهم، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف وأدخل الكير، وقام على الخلاص، أبرزوه محكما منقحا، ومصفى من الأدناس مهذبا. قال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري:

فلا تكثر النجوى وأنت محاربتؤامر فيها كل نكس مقصر
للشاعر الربيع بن أبي الحقيق، من قصيدة «فلا تكثر النجوى وأنت محارب»

وقال عبد الله بن وهب الراسبي: «إياي والرأي الفطير».

وكان يستعيذ بالله من الرأي الدّبري، الذي يكون من غير روية، وكذلك الجواب الدبري.

وقال سبحان وائل: «شر خليطيك السؤوم المحزّم» لأن السؤوم لا يصبر، وإنما التفاضل في الصبر. والمحزم صعب لا يعرف ما يراد منه، وليس الحزم إلا بالتجارب، وبأن يكون عقل الغريزة سلما إلى عقل التجربة. ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: «رأي الشيخ أحب إلينا من جلد الشاب».

ولذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل، المهر الأرن إلا بعد رياضة ولم يحولوا المعانيق هماليج إلا بعد طول التخليع، ولم يحلبوا الزبون إلا بعد الأبساس.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.