تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أنواع الخطب

وعلى أن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان، ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد، وتستفتح بالتمجيد: «البتراء».

ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ: «الشوهاء».

وقال عمران بن حطّان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصّر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن.

وخطب أعرابي فلما أعجله بعض الأمر عن التصدير بالتحميد، والاستفتاح بالتمجيد، قال: «أما بعد، بغير ملالة لذكر الله ولا إيثار غيره عليه، فإنّا نقول كذا، ونسأل كذا»، فرارا من أن تكون خطبته بتراء أو شوهاء.

وقال شبيب بن شيبة: «الحمد لله، صلّى الله على رسول الله. أما بعد، فإنّا نسأل كذا، ونبذل كذا».

وبنا- حفظك الله- أعظم الحاجة إلى أن يسلّم كتابنا هذا من النّبز القبيح والشّوه المشين، واللقب السّمج المعيب، بل قد يجب أن نزيد في بهائه، ونستميل القلوب إلى اجتبائه، إذ كان الأمل فيه بعيدا، وكان معناه شريفا ثمينا.

ثم اعلم بعد ذلك أن جميع خطب العرب، من أهل المدر والوبر،

والبدو والحضر، على ضربين: منها الطّوال، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به، وموضع يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة، ومتشاكلا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان، والنّتف الجياد.

وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما حظه التخليد في بطون الصحف. ووجدنا عدد القصار أكثر، ورواة العلم إلى حفظها أسرع. وقد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، ووفيناه حظه من التمييز، ونرجو ألا نكون قصرنا في ذلك. والله الموفق.

هذا سوى ما رسمنا في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء وجمل كلام الأعراب الخلص، وأهل اللسن من رجالات قريش والعرب، وأهل الخطابة من أهل الحجاز، ونتف من كلام النساك، ومواعظ من كلام الزهاد، مع قلة كلامهم، وشدة توقّيهم. وربّ قليل يغني عن الكثير، كما أن ربّ كثير لا يتعلق به صاحب القليل. بل رب كلمة تغني عن خطبة، وتنوب عن رسالة.

بل رب كناية تربي على افصاح، ولحظ يدل على ضمير، وإن كان ذلك الضمير بعيد الغاية، قائما على النهاية. ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلّم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، وألا نزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة. ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول.

وهشّت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخفّ على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريّض. فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة، ومصلحة حال الخاصة، وكان ممن يعمّ ولا يخصّ، وينصح ولا يغش، وكان مشغوفا بأهل الجماعة، شنفا لأهل الاختلاف والفرقة، جمعت له الحظوظ من

أقطارها، وسيقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته، وجبلت على تصويب إرادته. ومن أعاره الله من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، جلبت إليه المعاني، وسلس له النظام، وكان قد أعفى المستمع من كد التكلف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهم. ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاح، ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديئا، ولا قولا مستكرها. وأكثر ما تجد ذلك في خطب المولدين، وفي خطب البلديين المتكلفين، ومن أهل الصنعة المتأدبين، وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب، أم كان من نتاج التحبير والتفكير.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.