من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
[وصية] عمر للخليفة من بعده
أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا: أن تعرف لهم سابقتهم. وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم. وأوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء العدو، وجباة الأموال
والفيء لا تحمل إلا عن فضل منهم. وأوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الاسلام: أن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم، فترد على فقرائهم. وأوصيك بأهل الذمة خيرا: أن تقاتل من ورائهم ولا تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد وهم صاغرون.
وأوصيك بتقوى الله وشده الحذر منه، ومخافة مقته، أن يطلع منك على ريبة.
وأوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله. وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم. ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك- بإذن الله- سلامة لقلبك، وحط لوزرك، وخير في عاقبة أمرك، حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك، ويحول بينك وبين قلبك. وآمرك أن تشتد في أمر الله، وفي حدوده ومعاصيه، على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرمه. واجعل الناس سواء عندك، لا تبال على من وجب الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم. وإياك والأثرة والمحاباة، فيما ولاك الله مما أفاء الله على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك.
وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، فإن اقترفت لدنياك عدلا وعفة مما بسط الله لك، اقترفت به إيمانا ورضوانا، وإن غلبك الهوى ومالت بك شهوة، اقترفت به سخط الله ومعاصيه. وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة. وقد أوصيتك وحضضتك، ونصحت لك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك، وانتهيت إلى الذي أمرتك، أخذت به نصيبا وافيا، وحظا وافرا. وإن لم تقبل ذلك ولا يهمك، تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك، يكن ذلك بك انتقاصا، ورأيك فيه مدخولا،
لأن الأهواء مشتركة. ورأس كل خطيئة، والداعي إلى كل هلكة إبليس وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار، ولبئس الثمن أن يكون حظ امرىء موالاة لعدو الله، والداعي إلى معاصيه! ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات، وكن واعظا لنفسك، وأنشدك الله لما ترحمت على جماعة المسلمين فأجللت كبيرهم، ورحمت صغيرهم، ووقرت عالمهم، ولا تضربهم فيذلوا، ولا تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم، ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم، ولا تجمّرهم في البعوث فتقطع نسلهم، ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم.
هذه وصيتي إياك، وأشهد الله عليك، وأقرأ عليك السلام.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع