تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خطبة قطري بن الفجاءة

صعد قطريّ بن الفجاءة منبر الأزارقة- وهو أحد بني مازن بن عمرو بن تميم- فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه ثم قال:

أما بعد فإني أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرارة، خوّانة غدّارة، حائلة زائلة، نافذة بائدة، أكّالة غوّالة، بدّالة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال الله: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً.

مع إن امرأ لم يكن منها في حبرة إلا اعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تطلّه غبية رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحرى إذا أضحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة وإن جانب منها أعذوذب واحلولى، أمرّ عليه منها جانب وأوبى، وإن آتت أمرأ من

غضارتها ورفاهتها نعما، أرهقته من نوائبها نقما، ولم يمس أمرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه، ويبكي عينه، كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي اختيال فيها قد خدعته. وكم من ذي أبهّة فيها قد صيرته حقيرا. وذي نخوة قد ردته ذليلا، وكم من ذي تاج قد كبّته لليدين والفم. سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذابها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع حيّها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام.

مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب.

مع أن وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطّلع والوقوف بين يدي الحكم العدل، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.

ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأوضح آثارا، وأعدّ عديدا أكثف جنودا، واعند عنودا. تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أيّ إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصّغار فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمصائب. وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها، واخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند. هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلتهم إلا الضّنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الندامة. فهذه تؤثرون أم عليها تحرصون، أم إليها تطمئنون. يقول الله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ.

أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ

. فبئست الدار لمن أقام فيها. فاعملوا وأنتم تعلمون إنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله: تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ

آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ

. وذكر الذين قالوا من أشدّ منا قوة. ثم قال:

حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فيها فلا يدعون ضيفانا، وجعل لهم من الضريح أجنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم حيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، وإن أقحطوا لم يقطنوا، جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد، متناءون لا يزارون ولا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فغعهم، ولا يرجى دفعهم، وكما قال جل وعز: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ

. استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسّعة ضيقا، وبالاهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها: حفاة عراة فرادى: غير أنهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى الخلود الأبد. يقول الله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ

. فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله. عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.