تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

خطبة أبي حمزة الخارجي

دخل أبو حمزة الخارجي مكة- وهو أحد نساك الإباضية وخطبائهم، واسمه يحيى بن المختار- فصعد منبرها متوكئا على قوس له عربية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان لا يتأخر ولا يتقدم إلا بإذن الله وأمره ووحيه، أنزل الله كتابا بيّن له فيه ما يأتي وما يتقي، ولم يك في شك من دينه، ولا في شبهة من أمره، ثم قبضه الله وقد علّم المسلمين معالم دينهم، وولى أبا بكر صلاتهم، فولاه المسلمون أمر دنياهم حين ولاه رسول الله أمر دينهم، فقاتل أهل الردّة، وعمل بالكتاب والسنة، فمضى لسبيله رحمة الله عليه.

ثم ولي عمر بن الخطاب ﵀، فسار بسيرة صاحبه، وعمل بالكتاب والسنة، وجبى الفيء، وفرض الأعطية، وجمع الناس في شهر رمضان، وجلد في الخمر ثمانين، وغزا العدو في بلادهم، ومضى لسبيله رحمة الله عليه.

ثم ولي عثمان بن عفان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه، وكان دونهما ثم سار في الست الأواخر بما أحبط به الأوائل، ثم مضى لسبيله.

ثم ولي عليّ بن أبي طالب، فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا، ثم مضى لسبيله.

ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله وابن لعينه، فاتخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله، فالعنوه لعنة الله.

ثم ولي يزيد بن معاوية، ويزيد الخمور، ويزيد القرود، ويزيد الفهود، الفاسق في بطنه، المأبون في فرجه، فعليه لعنة الله وملائكته.

ثم اقتصهم خليفة خليفة، فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عنه، ولم يذكره. ثم قال:

ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في دينه، المأبون في فرجه، الذي لم يؤنس منه رشد، وقد قال الله تعالى في أموال اليتامى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ

، فأمر أمة محمد ﵇ أعظم. يأكل الحرام ويشرب الخمر، ويلبس الحلة قوّمت بألف دينار، قد ضربت فيها

الأبشار، وهتكت فيها الأستار، وأخذت من غير حلها. حبابة عن يمينه، وسلّامة عن يساره تغنيّانه، حتى إذا أخذ الشراب منه كل مأخذ قدّ ثوبه، ثم التفت إلى أحداهما فقال: ألا أطير ألا أطير! نعم فطر إلى لعنة الله، وحريق ناره، وأليم عذابه.

وأما بنو أمية ففرقة الضلالة، بطشهم بطش جبرية، يأخذون بالظّنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة، ويأخذون الفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ

. فأقبل صنف تاسع ليس منها فأخذها كلها. تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله.

وأما هذه الشيع فشيع ظاهرت بكتاب الله، واعلنوا الفرية على الله، لم يفارقوا الناس ببصر نافذ في الدين، ولا بعلم نافذ في القرآن، ينقمون المعصية على أهلها، ويعملون إذا ولّوا بها. يصرون على الفتنة، ولا يعرفون المخرج منها، جفاة عن القرآن، أتباع كهان، يؤملون الدول في بعث الموتى، ويعتقدون الرجعة الى الدنيا، قلدوا دينهم رجلا لا ينظر لهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

ثم أقبل على أهل الحجاز فقال:

يا أهل الحجاز، أتعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب؟! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا. أما والله إني لعالم بتتايعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق ايديكم.

شباب والله مكتهلون في شبابهم، غبية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية

أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنه. موصول كلالهم بكلالهم: كلال الليل بكلال النهار. قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم، وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوّقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد أنتضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت استخفوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، ومضى الشباب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله. ثم قال: آه آه (ثلاثا). ثم بكى ونزل.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.