تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

من اللغز في الجواب

قالوا: كان الحطيئة يرعى غنما له، وفي يده عصا. فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك؟ قال: عجراء من سلم يعني عصاه. قال: إني ضيف.

فقال الحطيئة: للضّيفان أعددتها.

قال ابن سليم: قال قيس بن سعد: اللهم أرزقني حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقال خالد بن الوليد لأهل الحيرة: أخرجوا الي رجلا من عقلائكم أسأله عن بعض الأمور. فأخرجوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة الغساني، وهو الذي بنى القصر، وهو يومئذ ابن خمسين وثلاثمائة سنة فقال له خالد: من أين أقصى أثرك؟ قال من صلب أبي. قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال على الأرض. قال:

ففيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: ما سنّك؟ قال: عظم. قال: أتعقل، لا عقلت؟ قال: أي والله وأقيّد. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد.

قال: كم أتى عليك من الدهر؟ فقال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: ما تزيدني مسألتك إلا غمّى ؟ قال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. قال: اعرب انتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا. قال: فحرب انتم أم سلم؟ قال: سلم. قال: فما بال هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسفيه حتى يجيء

الحليم فينهاه. قال: كم أتت عليك سنة؟ قال: خمسون وثلاثمائة. قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها على رأسها ولا تتزود إلا رغيفا وغحدا، فلا تزال في قرى مخصبة متواترة حتى ترد الشام. ثم قد اصبحت خرابا يبابا، وذلك دأب الله في العباد والبلاد.

قال: وأتى أزهر بن عبد الحارث رجل من بني يربوع، فقال: ألا أدخل؟ قال: وراءك أوسع لك. قال: قد أحرقت الشمس رجلي. قال: بل عليهما تبردا. فقال: يا آل يربوع! قال: ذليلا دعوت. يا بني دريص، أطعمتكم عاما أو جلّة، فأكلتم جلتكم، وأغرتم على جلة الضيفان.

وقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه. قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا انظر إليه. قال:

أفتحفظه؟ قال: أخشيت فراره فأحفظه. قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه. قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟.

قال: ألقى الله بعملي وتلقاه أنت بدمي.

وقال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني، أزحم العلماء بركبتيك، ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وأبق فضول كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كلّ الرفض فتكون عيالا، وعلى أعناق الرجال كلّا، وصم صوما يكسر شهوتك، ولا تصم صوما يضر بصلاتك، فإن الصلاة أفضل من الصوم، وكن كالاب لليتيم، وكالزوج للأرملة، ولا تحاب القريب، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين البتة.

وسمع الأحنف رجلا يطري يزيد عند معاوية، فلما خرج من عنده اسحنفر في ذمهما، فقال له الأحنف: مه، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.

وقال سعيد بن أبي العروبة: لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان، على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر، أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين، وذا قولين مختلفين.

وقال أيوب السخيتاني: النمام ذو الوجهين أحسن الاستماع، وخالف في الإبلاغ.

حفص بن صالح الأزدي عن عامر الشعبي، قال: كتب عمر إلى معاوية: «أما بعد فإني كتبت إليك بكتاب في القضاء لم آلك ونفسي فيه خيرا. الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك: إذا تقدم إليك خصمان فعليك بالبينة العادلة، أو اليمين القاطعة. وأذن الضعيف حتى يشتّد قلبه وينبسط لسانه. وتعهد الغريب، فإنك إن لم تتعهده ترك حقه، ورجع إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به. وآس بينهم في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء».

أبو يوسف، عن المرزمي، عمن حدثه عن شريح، إن عمر بن الخطاب ﵀ كتب إليه:

«لا تشار ولا تمار ولا تضار، ولا تبع ولا تبتع في مجلس القضاء ولا تقض بين آثنين وأنت غضبان».

وقال عمر بن عبد العزيز: إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل:

علم ما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم عن الخصم، واقتداء بالأئمة، ومشاورة أهل الرأي.

محمد بن حرب الهلالي قال: لما ولي يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، قال له:

«إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا. فلا تتكلن على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك. وإياك مني قبل أن أقول إياي منك، فإن الظن إذا أخلف مني فيك أخلف منك في. وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه. وقد اتعبك أبوك، فلا تريحن نفسك. وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك أحاديث غدك، تسعد إن شاء الله.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.