من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
المدرسة الصرغتمشية
هذه المدرسة خارج القاهرة بجوار جامع الأمير أبي العباس أحمد بن طولون، فيما بينه وبين قلعة الجبل، كان موضعها قديما من جملة قطائع ابن طولون، ثم صار عدّة مساكن، فأخذها الأمير سيف الدين صرغتمش الناصريّ رأس نوبة النوب وهدمها وابتدأ في بناء المدرسة يوم الخميس من شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبعمائة، وانتهت في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وقد جاءت من أبدع المباني وأجلها وأحسنها قالبا وأبهجها منظرا، فركب الأمير صرغتمش في يوم الثلاثاء تاسعه وحضر إليه الأمير سيف الدين شيخو العمريّ مدبر الدولة، والأمير طاشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، والأمير توقتاي الدوادار، وعامّة أمراء الدولة، وقضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، ورتب مدرّس الفقه بها قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر العميد بن العميد أمير غازي الاتقانيّ، فألقى القوام الدرس، ثم مدّ سماط جليل بالهمة الملوكية، وملئت البركة التي بها سكّرا قد أذيب بالماء،
فأكل الناس وشربوا وأبيح ما بقي من ذلك للعامّة فانتهبوه، وجعل الأمير صرغتمش هذه المدرسة وقفا على الفقهاء الحنفية الآفاقية، ورتب بها درسا للحديث النبويّ، وأجرى لهم جميعا المعاليم من وقف رتّبه لهم، وقال أدباء العصر فيها شعرا كثيرا. فقال العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ:
ليهنك يا صرغتمش ما بنيتهلآخراك في دنياك من حسن بنيان
به يزدهي الترخيم كالزهر بهجةفللّه من زهر وللّه من باني
وخلع في هذا اليوم على القوام خلعة سنية وأركبه بغلة رائعة، وأجازه بعشرة آلاف درهم على أبيات مدحه بها في غاية السماجة وهي:
أرأيتم من حاز الرتباوأتى قربا ونفى ريبا
فبدا علما وسما كرماوما قدما ولقد غلبا
بتقى وهدى وندا وجدافعدا وسدى وجبى وحبا
بدى سننا أحيى سنناحلّى زمنا عند الأدبا
هذا صرغتمش قد سكبتأيام إمارته السحبا
وأزال الجدب إلى خصبوالضنك إلى رغد قلبا
بإعانة جبّار ربيذي العرش وقد بذل النشبا
ملك فطن ركن لسنحسن بسن ربى الأدبا
لك الكبرا ملك الأمراملك العلما ملك الأدبا
بحر طام غيث هامقد رسام حامى الغربا
ببشاشته وسماحتهوحماسته جلّى الكربا
وديانته وصيانتهوأمانته حاز الرتبا
أبهى أصلا أسنى نسلاأعطى فضلا مأوى الغربا
نعم المأوى مصر لمّاشملت قوما نبلا نجبا
فنمت نورا وسمت نوراوعلت دورا وأرت طربا
نسقت دررا وسقت درراودعت غررا وحوت أدبا
وخطابته افتخرت وعلتوسمت وزرت وحوت أدبا
جدّد درسا ثم اجن جنّىمنها ومنى فمعى طلبا
من نازعني نسبي علنا
فاراب لنا نعمت نسبا
كنون أبا لحنفية ثمّ قوام الدين بدا لقبا
عش في رحب لترى عجبامن منتجب عجب عجبا
صرغتمش: الناصريّ الأمير سيف الدين رأس نوبة، جلبه الخواجا الصوّاف في سنة
سبع وثلاثين وسبعمائة، فاشتراه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بمائتي ألف درهم فضة، ثمنها يومئذ نحو أربعة آلاف مثقال ذهبا، وخلع على الخواجا تشريفا كاملا بحياصة ذهب، وكتب له توقيعا بمسامحة مائة ألف درهم من متجره، فلم يعبأ به السلطان، وصار في أيامه من جملة الجمدارية، وحكي عن القاضي شرف الدين عبد الوهاب ناظر الخاص أنّ السلطان أنعم على صرغتمس هذا بعشر طاقات أديم طائفيّ، فلما جاء إلى النشو تردّد إليه مرارا حتى دفعها إليه، ولم يزل خامل الذكر إلى أن كانت أيام المظفر حاجي بن محمد بن قلاون، فبعثه مسفرا مع الأمير فخر الدين إياز السلاح دار لما استقرّ في نيابة حلب، فلما عاد من حلب ترقى في الخدمة وتمكن عند المظفر وتوجه في خدمة الصالح بن محمد بن قلاون إلى دمشق في نوبة يلبغاروس، وصار السلطان يرجع إلى رأيه، فلما عاد من دمشق أمسك الوزير علم الدين عبد اللّه بن زنبور بغير أمر السلطان وأخذ أمواله، وعارض في أمره الأمير شيخو والأمير طاز، ومن حينئذ عظم ولم يزل حتى خلع السلطان الملك الصالح وأعيد الناصر حسن بن محمد بن قلاون، فلما أخرج الأمير شيخو انفرد صرغتمش بتدبير أمور المملكة وفخم قدره ونفذت كلمته، فعزل قضاة مصر والشام وغيّر النوّاب بالمماليك، والسلطان يحقد عليه إلى أن أمسكه في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين، وقبض معه على الأمير طشتمر القاسميّ حاجب الحجاب، والأمير ملكتمر المحمديّ وجماعة وحملهم إلى الإسكندرية فسجنوا بها، وبها مات صرغتمش بعد شهرين واثني عشر يوما من سجنه في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وسبعمائة. وكان مليح الصورة جميل الهيئة، يقرأ القرآن الكريم ويشارك في الفقه على مذهب الحنفية، ويبالغ في التعصب لمذهبه، ويقرّب العجم ويكرمهم ويجلهم إجلالا زائدا، ويشدو طرفا من النحو، وكانت أخلاقه شرسة ونفسه قوية، فإذا بحث في الفقه أو اللغة اشتط، ولما تحدّث في الأوقاف وفي البريد خاف الناس منه، فلم يكن أحد يركب خيل البريد إلاّ بمرسومه، ومنع كل من يركب البريد أن يحمل معه قماشا ودراهم على خيل البريد، واشتدّ في أمر الأوقاف فعمرت في مباشرته، ولما قبض عليه أخذ السلطان أمواله وكانت شيئا كثيرا يكلّ عنه الوصف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع