من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
عيون القصب
ولما كان آخر اليوم الثالث، وقد رق ثوب الأصيل، رحلنا منه قاصدين عيون القصب. وهي مقصبة ينتهي إليها ماء من عين جارية من مسافة طويلة، على نخيل باسقة، وأشجار متناسقة، قد يؤتى منها بأثمار فتباع على الركب، وقد انقطع ذلك لانقطاع عوائد العرب من صلات السلطنة، فلذلك ارتفعت العرب، وصار الوادي مخيفاً، وماؤه في غاية العذوبة، يجري من بين القصب الفارسي بين نبت مختلف طيب الطعم والرائحة، ومما قيل فيه:
قصب الوادي هبوا لي ماَءهُففؤادي فيه حرّ الوصبِ
أو قفوا بي برهةً يارِفقتيأتروّى من عيون القصبِ
وهذا الماء يجري من أعلى صخرة على ظهر الوادي بمقدار ميل، ثم يغور في الرمل. وزعم بعضهم أنه ثقيل، سريع التعفن، يُكْرَه الإكثار منه. قال الحافظ ابن
حجر في كتاب أنباء الغمر: في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة حفرت بعيون القصب بئر عظيمة، فعظم النفع بها، وكانت عيون القصب تجري من وادٍ عظيم ينبت فيه القصب الفارسي، ويجري الماء من بين تلك الغابات. وكان للحُجاج به رفق، بحيث يبيتون به ليلة، ثم
غمرت تلك العيون وصاروا يقنعون بالحفائر، فأشار ناظر الجيش لَمَّا حَجّ بحفر البئر فخرج ماؤها عذباً فُراتاً، انتهى كلامه. قلت: وقد أجرى الله تعالى عوائد برّه وعاد الماء إلى مجاريه.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع