تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

ينبع النخل

، وروينا من مياهه التي هي كمُجاج النحل، ولكن بعد أن تجرعنا المرامر، وكادت تنشق منا المرائر، مما قاسيناه في النقب من ضيق الطريق، وازدحم القطر الذي فرق بين الرفيق، إلى غير ذلك من الأوعار، ومصادمة الأحجار، في ليل مظلم، وهول مؤلم، ولسان الحال ينادي في تلك الشعوب والبوادي:

فاصبر لها غير محتال ولا ضجرفي حادث الدهر ما يغنى عن الحيل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

ينبع النخل

(فائدة) يَنْبُع: بصيغة مضارع نبع الماء، إذا ظهر، من نواحي المدينة المنورة على

أربعة أيام منها، سميت بذلك لكثرة ينابيعها وعدتها مائة وسبعون عيناً، ولمّا نظر إلى جبالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: لقد وضعت على نقب من الماء عظيم. وأقطعه النبي ﷺ العشيرة من الينبع، ثم اشترى قطعة أخرى، وكانت بها أمواله عيوناً تصدق بها. ومن محاسن الفيومي:

إن كان قد قضي الفراق وصدّنيعنكم حجاز من نوى لا يرفعُ
فأنا الذي دمعي العقيق وناظرييا بدر بعد البعد عنكم ينبعُ

والنقب مضيق كثير الأوعار، يسلكه الركب المصري في أيامه، وهو على نصف مرحلة من خيف بني عمرو، وهذا الخيف يشتمل على عيون جارية، ونخيل باسقة، ومنازل عامرة بسكانها. (ولنرجع إلى ما كنا بصدده) فأقمنا بينبع المحروسة، ومرابعها البهية المأنوسة، ثلاثة أيام، نهارنا تحت ظل النخيل، وليلنا في مسامرة الصديق والخليل، وكان ذلك آخر عهدي بالمنازل التي بها كلّ قصدي.

وكان أول عهد العينِ منذ نأتبالدمعِ آخر عهدِ القلبِ بالجَلَد

ولما كان وقت العصر من اليوم الثالث، الذي هو آخر العهد بأيام الثالث، وأوله بالليالي العوابث، زعق نفير الحاج، وأخذ الركب في الحركة والهياج، فلحق العشاق من ألم النوى لمفارقة الحجاز، ما أجرى دمعهم رملاً على ذلك الصعيد الطيب، وأخرجهم من الحقيقة إلى المجاز، ثم في أقل من نظر محب إلى حبيبه، أو شكوى عليل إلى طبيبه، حَمّل الركب وسار، ولم يبق له أثر في الدار.

كأنَّما حجلٌ كانت بسفح ربىفرّت كأنَّهم بالسفحِ ما كانوا

فارتحلنا في تلك الساعة البهية، متوجهين إلى نحو الديار المصرية، فقاسينا في السفر ما لا يطاق، واحتملنا من نخع النعم ما لزورته حمل المشتاق:

ولما تناءت بالأحبةِ دارهموصرنا جميعاً من عيانٍ إلى وهمِ
تمكّن مني الشوق غير مُسامحٍكمعتزليٍّ قد تمكن من خصمِ

ثم تمادى بنا السفر من بعد العصر إلى أن أسفر الفجر، ورقَّ جلد ما معنا من الدواب، وتفرق شمل رفاقنا بين تلك الروابي والشعاب، ثم أنخنا الركاب، بقفر خلا من المياه والأعشاب، فقِلْنا به ذلك اليوم، وقُلنا نأخذ فيه راحة ما بالنوم، ومن أين يجد الخاطر به القرار، وهو المعروف بوادي النار.

ما طاب عيشي بروضٍ زاهرٍ خضرٍحتى يبيتَ بقفرٍ لا نباتَ به

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.