تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)

ديباجة المؤلف

الناسُ يُهدون على قدْرِهموإنَّني أُهدي على قدْري
يُهدون ما يفنى وأُهدي الذييبقى مدى الأيامِ والدَّهْرِ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَنْ لا نبي بعده، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. يا من أودع كنوز الأرض أسرار حكمته، يطلع عليها من جاب البلاد بحسن فطنته، وخص كلّ بقعة بخاصة لا توجد إلا فيها، وجعل لهذا رغبة عن هذه فينأى عنها، ولهذا رغبة في هذه فيصطفيها، صلِّ على نبيك ورسولك وحبيبك وخليلك سيدنا وسندنا محمد، الذي شرَّفت به كثيراً من البقاع، وعطرت بآثاره الشريفة الأكم والقاع، وعلى آله وصحبه وشيعته وحزبه أكرم من ساروا في أقطار الأقاليم فعمروها، وأقاموا بالأراضي المجدبة وبهاطل بركاتهم غمروها، ما اهتز بها أغصان الآمال بنسمات الإقبال، وما تذكر مجروح الفؤاد على مر المنازل لذة الوطن والمناهل.

(أما بعد) فإنه لا يخفى على من سبر الدهرَ وخبر أحواله، ورأى تغيراته وشاهد في ذوي الفضل أفعاله، أن من ارتدى بمحامد الخلال وتحلَّى بحلي الفضائل والكمال نصب له الزمان مصايد المصايب، وأوقعه في شرك الهوان متجرعاً غصص النوى والنوائب، وفي وهاد حسراته محترق زفراته:

وكَمْ للدَّهْرِ من فعلٍ عجيبٍبهِ فيهِ أُولو الألبابِ حاروا
وأَعجبُ ما يُرى فيهِ فقيهٌمهانٌ والجهولُ هو المشارُ
أمورٌ لا يتمُّ لها قياسٌأرانا شأنها الفلكُ المدارُ

وكنت ممن ناواه الزمان، وكرّ عليه بسيف حيفه الحَدَثان، أتقلب من الحسرات على فرش الغضا، وأجد لما بي أضيق ما يكون سعة الفضاء، فأعلل النفس بالأماني، وأتسلَّى بذكر من لم يَصْفُ له التهاني، ولما عيل مني الصبر وأعياني هذا الأمر دعاني داعي الأماني والآمال، وحرَّكني فيه الرجاء والالتجاء إلى الكريم

المتعال، أن أمتطي غارب الاغتراب، حسب فامشوا والبركة في الحركة والله مسبب الأسباب وأنشدني لسان الحال قول من قال:

إنَّ العُلى حدّثتني وهي صادقةٌفيما تحدِّث أنَّ العزَّ في النقلِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»
لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىلم تبرحِ الشَّمْسُ يوماً دارةَ الحملِ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

فاقتضى الأمر العزم على السفر، واقتحام مهامه المشقة والخطر، وقصد الأبواب الشريفة السلطانية، والتملِّي برؤية الموالي والأركان بالدولة المنيفة الخاقانية، والوقوف على تلك المنازلِ والمناهلِ والأطلال، وما أبرزته القدرة الإلهية من القوّة

إلى الفعل ومن عالم المثال إلى عالم الأشكال.

ومن قبل تركيب الهوى كنت ساكناًولكنْ برغمي حرَّكتني العواملُ
وسلَّكني دهري على غيرِ منهجيألا في سبيل اللهِ ما الدهرُ فاعلُ

فامتطيت غارب الأمل إلى الغربة، وركبت مراكب المذلة والكربة، قاصداً استعتاب الدهر الكالح، واستعطاف الزمان الغشوم الجامح، اغتراراً بأن في الحركة بركة، وأن الاغتراب داعية الاكتساب.

على المرء أن يسعى لما فيه نفعُهوليس عليه أن يساعده الدهرُ
فإن نال بالسعي المُنى تمَّ قصدُهوإن خالف المقدور كان له عذرُ

وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، أو مع عبوس الحظ، ابتسام الدهر الفظِّ.

فما كُلُّ غادٍ نحو قصدٍ ينالُهولا كلُّ من زار الحِمى سمع الندا

وكنتُ مهما وقفتُ عليه من خبر لطيفٍ سطرته، وأيَّما شعر ظريف ظفرت به قيَّدته وحبَّرته، حتى وجدتُ لديَّ جملةً من اللطائف والظرائف، قد جمعتها أيدي الأقلام، وأوقعتني عليها الأيام.

إنَّ الغريبَ إذا ما كان ذا قلمٍفليس سلوتُه إلا بقرطاسِ
فيهِ يُقيِّدُ ما يلقاه من نكتٍومن ظرائفَ يُبديها من الراسِ

فخطر لي أن أجعلها رحلةً تعرب بحسن معانيها عن لطيف المعاني، وتفصح عن عذوبة السجع بما يفوق رنَّات المثاني، وأودعها ما أقف عليه في سفري من لطائف الأشعار، وغرائب النكت التي هي لدى طالبها غالية الأسعار، إلى غير ذلك من منثور ومنظوم، إلى حين قدومي من الروم. لتكون نزهةً لي ولأصحابي، وتحفة أخص بها خُلَّص أحبابي، بل عبرة لكلّ طامع في غير مطمع، بل عبرة تعبر عن مكتوم سر طالما تكلم وتوجع.

إن الفؤادَ إذا تكدّر لم يكنْيصفو بغير شكايةٍ وعتابِ

فإذا تحصل من ذلك ما تحصل، وصح ما دار وتسلسل، سميّتُه:

رحلة الشتاء والصيف وناسبت فيها مناسبة خلت من الخلل والحيف، وما أشبهها بما قال:

رحلةٌ لم يزل يفنِّدني الصَّيْفُ إذا ما نويتُها والشتاءُ
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»
يتَّقي حرّ وجهي الحرّ والبرْدُ وقد عزَّ من لظى الاتقاءُ
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»
ضقتُ ذرعاً مما جنيت فيوميْقمطريرٌ وليلتي درعاءُ
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»
كنتُ في نومةِ الشبابِ فما اِستيْقظتُ إلا ولِمّتي شمطاءُ
للشاعر البوصيري، من قصيدة «كيف ترقى رقيك الأنبياء»

وإذ أذن فجرها بالصباح، وصاح مناديها بالفلاح، جعلتها خدمة لجناب من أناخت بِفِناه ركائب الأفاضل، ووضعتْ على عَليِّ أعتابه جباهها الأماثل.

حافظُ السُنَّة حفظاً لا ترىمعه أن تُعْمِلَ الناسُ الأسِنَّه
مَركز الدائرِ من أهلِ النُّهىفإلى ما قد حوى تُثْنَى الأعِنَّه

كيف وهو المولى الذي ارتفع مقداره على فرق الفرقدين، وعلا مقامه على مقام النيّريْن، منهاج وصول الأحكام، معراج حصول المرام، مجموعة الكمالات النفسانية، خريدة السعادات الإنسانية، فاتحة إحياء علوم الدين، ومحكم خاتمة قلوب العارفين، شيخ الإسلام الذي إذا أفتى أفنى المهج وأحيا الأرواح، وإذا أفاد أجاد

وأظهر من الإحسان ما يروق في الغدو والرواح، وإذا فسَّر أحيا مآثر القاضي أو المفتي بحسن سيرته، وحلّ من المشكلات ما يعجز كلّ ماهر عن إبداء خفاياه وموضع نكته.

راضَ العلومَ فسلْه عن دقائِقهافعنده للخفايا أيُّ إدراكِ
تذلَّلي يا فروع الفقه مثمرةًلَهُ ليدنوَ منه حلوُ مجناكِ
في النَّظم والنثر ما زالت فصاحتُهُتقابلُ الدرَّ أسلاكاً بأَسلاكِ
وفاتحُ البابِ في فنِّ البيان فلايحتاجُ يوماً إلى مفتاحِ سكَّاكِ

هو سيدنا الذي لا زال مقدارهُ عليّاً، مولانا شيخ الإسلام يحيى بن زكريّا، مَتّع الله المسلمين بطول بقائه ودوام أيامه، وعطّر الأكوان من ذكره الشريف بمسك ختامه، ولا زالت ظلاله على الأيام ممدودة الرواق، وبدور سعادته وسيادته آمنة من الأفول والمحاق، ومناقبه الجميلة سائرة الأمثال في الآفاق.

ولا برحت تزداد عزاً ورفعةًبمنصبه العالي صدور المجالسِ

فقد قال الإسكندر في حق الحكيم الأول لمَّا دوَّن الحكمة وزين ديباجتها بألقابه: من ذَكَرَني فيما يبقى فقد أبقاني أبداً.

ما تنسجُ الأيدي يبيد وإنَّمايبقى لنا ما تنسجُ الأقلامُ
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

وعسى أن يلحظها حظ فتشرف بمطالعته، ويصلني دهري الخؤون من بعد مقاطعته، وإذا كان علو مقامه يمنع من ذلك، وما بي من القصور يقول لست هنالك:

إن الملوك وإن جلَّت مناصبُهالها مع السُّوْقةِ الأسرارُ والسَّمَرُ

فقصة الأعرابي بإهداء قربة ماء إلى خليفة الزمان، وإهداء رجل جرادة إلى حضرة السيد سليمان، معلومة عند سمو شأنه، وعلو مكانه، ولقد قيل:

لو أنَّ كلَّ يسيرٍ رُدَّ محتقراًلم يقبلِ اللهُ يوماً للورى عَملا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لو أن كل يسير رد محتقرا»
المرءُ يُهدي على مقدار طاقتِهِوالنَّملُ يُعذرُ في القدرِ الذي حملا

على أن الهدية ما كانت أقل، فهي أجمل للأجل، كما أن العطية ما كانت أجلّ، فهي أفضل للأقل، وإن كنت في ذلك كمن أهدى الزهر إلى رياضه، والقطر إلى

حياضه، ولنا القول وهو أدرى بفحواه، وأهدى فيه من القطاه، على أن الغرض من ذلك هو الالتجاء إلى ذلك الظل الظليل، من جَوْر الزمان الظلوم، وظلمة ليالي هذا الدهر الغشوم.

فاللَّيالي من الزمان حُبالىمُثقلاتٌ تلدن كلَّ عجيبةْ
للشاعر قاسم الكستي، اقرأ القصيدة

قال الإمام زين العابدين نفع الله به هَلَكَ من ليس له كريم يعضده، وضَلَّ من ليس له حكيم يرشده.

تعدو الأعادي على من لا خفيرَ لهوتتقي مربضَ المُستأسدِ الحامي

هذا والمرجو من فتوة من وقف على ذلك، ونظر رياض هذه المسالك، أن ينظر بعين الرضا إليها، ولا يتحامل لتفريط أو إفراط عليها، فإن السخط يقلب أعيان المحاسن بالقبايح، ويفتح أبواب السيئات والفضايح، وكان يقال: من رضي عن شيء تنعَّم به، ومن سخط على شيء تعذَّب به.

وعينُ الرضا عن كلّ عيب كليلةٌكما أن عينَ السُّخط تُبدي المساويا
للشاعر إبراهيم الطباطبائي، اقرأ القصيدة

يروى أن القاضي عبد الرحيم البيساني، كتب إلى العماد الأصفهاني، يعتذر عن كلام استدركه عليه: وقد وقع لي شيء ولا أدري أوقع لك مثله أم لا؟ وذلك أني رأيت أن لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غدٍ لو كان غير هذا لكان أحسن،

ولو زيد هذا المكان يستحسن، ولو قدّم هذا لكان أجمل، ولو ترك هذا لكان أفضل، وهذا من أعظم العبر، ودليل استيلاء النقص على جملة البشر.

ما خطَّ كفُّ امرئ شيئاً وراجعهُإلا وعَنَّ له تبديلُ ما فيهِ
وقال ذاك كذا أولى وذاك كذاوإن يكن هكذا تسمو قوافيهِ

والله تعالى المسؤول، أن يهبَّ نسيمها بالقبول، وأن يُسهِّل لنا القدرة على الإتمام، ويجعل من مسك القبول حسن الختام.

ما زال هذا البَيْنُ يسقي كأسَهمن رقَّ من بين البريَّةِ طبعُهُ
والدَّهْرُ يقضي في الكِرَامِ بجورهحتَّى خلا من كلِّ حُرٍّ ربعُهُ
هذه الرحلةُ التي قَدْ تسامتْوحوتْ نزهةَ الشِّتَا والصَّيْفِ

أوّلُ كأسٍ تجرعته من مرامر البين، فراق المنازل الحرمية الذي كاد يكون من سكرات الحين، بعد أن قضيت الحج ببيت الله الحرام، وتملّيت بالمآثر المحترمة الكرام، وذلك في سابع عشر محرم الحرام، افتتاح عام غلط من هجرة أشرف مرسل عدل وما قسط، صلوات الله عليه وعلى آله الميامين وعلى من قال آمين.

كان رحيلي عن طيبة عجباًوحادثاً من حوادث الزمنْ
من قبل أن أعرض الفراق علىقلبي وأن أستعد للمِحنْ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «كان خروجي من عندكم قدرا»

فبرزت من المدينة الشريفة، والآثار الوريفة، بروز من ضل رشده، واحترق حشاه بفراقٍ قد بلغ أشدَّه.

وفارقت حتى لا أراع من النوىوإن غاب جيران عليّ كِرامُ
وقد جعلتُ نفسي على اليأسِ تنطويوعيني على هجرِ الصَديق تَنامُ

فواهاً لزمن الاجتماع ما كان أغضّه، وآهاً من انصداع الشمل فما أمضّه، فيا لتلك المنازل التي سمت أن تسامى، ويا لهاتيك المسامرة التي بها هواطل السرور تهامى.

فارقتها لا عن رضى، وهجرتهالا عن قلى، ورحلت لا متخيرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
أسعى لرزقٍ في البلاد مشتتٍومن العجائبِ أن يكون مقتّرا
وأصون وجه مدائحي متعففاًوأكفُّ ذيل مطامعي متستّرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوىيعفو، ولا جفني يصافحُه الكرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»

فسرت مع بعض الإخوان، من ذوي المروءة والإحسان، صحبة الركب المصري، والعيون بالمدامع تذري، لبعاد تلك المنازل، وفراق هاتيك المناهل.

فمنّي إليها كلَ وقت تحيةوساكنها في كلِ آنٍ له السنا

ثم لم نزل سائرين في المنازل الحرمية الشريفة، والمناهل السعيدة المنيفة، والمقادير تقودنا كيف جرى القلم، وأنا المنقاد إلى حيث المشقة والألم.

أمامي من الحرمان جيشُ عرمرمٍومنه ورائي جحفلٌ حين أركبُ
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
فلو تهتُ في البيداء والليل مسبلٌعليّ جناحيه لما لاحَ كوكبُ
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

ومازلنا كذلك نجوب الفيافي والمسالك، إلى أن وصلنا

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة الشتاء والصيف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.