من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
الحوراء
ثم لم نزل كذلك، نقطع هاتيك المسالك، غوراً ونجداً، ومفازة ووِرْداً، حتى أنخنا بالحوراء، وهي ساحل خليج القلزم، المعروف ببحر السويس، ومبدؤه من باب المندب إلى أن يتصل بالبحر الهندي، وطوله ألف وأربعمائة ميل كما في الخريدة، وفي الخطط ألف وخمسمائة ميل، وعرضه من أربعمائة إلى ما دونها، وهو بحر كريه المنظر والرائحة، وفيه مصب الدجلة والفرات، وعلى جوانبه السند واليمن، كأنَّها جزيرة أحاط بها الماء من جهاتها الثلاثة، وهو يروع نهر مهران كروع البحر الرومي نهر النيل، وسمي القلزم باسم مدينة كانت بساحله الغربي بشرقي مصر، ويعرف موضعها اليوم بالسويس.
والقُلْزُم بضم القاف وسكون اللام وضم الزايّ، وكانت فرضة مصر والشام، ومنها يحمل إلى الحجاز واليمن، وهذا البحر إنَّما هو خليج يخرج من المحيط، ويعرف ببحر الظلمات لتكاثف البخار الصاعد وضعف الشمس عن حله، ولم يوقف من خبره الأعلى ما عرف من بعض سواحله، وما قرب من جزائره طال الكلام، وخرج عن سلك النظام:
ولربما ساق المحدّث بعض ماليس النديم إليه بالمحتاج
وبالجملة فإن الحديث شجون، والجنون فنون، والأمر كما قال، في تأليف القيل
والقال:
لو لم أقل هذا وهذا وذابأي شيء كنت أملي الكتاب؟
والحوراء هذه تشتمل على أشجار ملتفة وبها شجر الأراك، وأطيار متنوعة، إلا أن ماءه في غاية الكدورة، مفرط في الإسهال، وقلت لما ذكرت بها فضيلة العين الزرقاء:
قد أتينا الحوراء في يوم حرٍشمسه كالعقيقةِ الحمراء
وشربنا مياهه وحمدناإذ عرفنا فضيلة الزرقاء
ويعجبني قول القائل:
مدينةُ خير الخلق تحلو لناظريفلا تعذلوني إن فُتنتُ بها عشقا
يقولون في زرق العيون شآمةوعندي أنَّ اليُمْن في عينها الزَرْقا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع