من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
نكتة
حكى العبدري عن أبي عبيدة في كتابه المسالك أن أبا دلامة جاء إلى مصر مرة، ثم رجع فسئل عنها فقال: ثلثها تراب، وثلثها كلاب، وثلثها دواب. قيل: فأين الناس؟ قال في الثلث الأول. وعلى ذلك أقول:
ولقد أتيت ديار مصر مرةشوقاً لقوم هِمْتُ في إسعافهم
وسألت ذاك السفح عنهم قال ليذهب الذين يعاش في أكنافهم
استغفر الله، وليس هذا من باب التبرم بأهل مصر، على ما قال:
لا ترم في بئر شربت زُلالهاآجرة فيقال أنّك غادرُ
وقال غيره:
وعماتك النخل كن مثلهالرامي الحجارة ترمي الرطب
فليت شعري أي فضيلة للنخل الذي لا يرمي حتى يُرمى، وهل ذلك إلا من باب المطاوعة رميته فارتمى؟ فالطاعة هنا ضرورية، لا يعلّق المدح بها، وربما تعلق بها الذم من وجه، كما قال قائل - وقد قيل له مالك تقع في الأمراء وأنت تستميرهم؟ -: نأخذ بعض مالنا ونطالبهم عند الله في الباقي والحيلة عليهم خير من الحاجة إليهم:
ولكل رأيت منهم مقاماًشرحه في الكتاب ممّا يطول
قال أبو عبيدة: وأما أهلها فقيل أعقل الناس صغاراً وأحمقهم كباراً، والعجب من نسبة الحمق إليهم، فإنه ينافي ما اشتملوا عليه من المكر والخديعة وأصناف الحيل المنقلب لديها بصر اللياقة خاسئاً وهو حسير، وأما أدوات المعروف فيهم فلا يشك في أنها لازمة لا متعدية، وإن كانت آراؤهم على سنن المكارم متعدية، اللهم إلا ما اقتضته الأدوار الفلكية من الأوامر الملكية.
قال الفاضل العبدري في رحلته: وكان وصولنا إلى هذه المدينة - يعني مصر - في أخريات رمضان المعظم، فأتممناه بها وصلينا معهم العيد، فلم أر يومئذ من أولئك الناس، من صدر منه الإيناس، فقلت:
تذكرتُ يومَ الفطرِ في مصر إذ أتىوقوس النوى ترمي الحشا أسهم الخَطْبِ
سراة نأوا أُنسي بنادي محلّهموصحباً كراماً ضمّهم أفق الغربِ
فأفطرتُ من قبلِ الغدوّ بعَبْرةٍشغلتُ بها يومي عن الأكلِ والشربِ
وقال معين الدين المالكي:
يا أهلَ مصر رأيتُ أيديكمعن بسطها بالنوالِ منقبضهْ
فَمُذ عدمت الغذاء عندكمأكلتُ كتبي كأنّني أرَضَهْ
وقال البدر البشتكي:
من أهل مصر ليس يسلم لا الوضيع ولا المعظم
ناهيك أن بأرضهمجبلاً فسمّوه المُقَطّم
أستغفر الله أن القلم إذا جال، قال في سرحه القيل والقال، وإلا فإذا كانت المنة من الاسترقاق، فأي حر يرضى بالقيد بعد الإطلاق؟ فكيف بمن يأنف من رق الحسنة ولو في المنام، وينشد في هذا المقام:
اسقني خمرة كرقة عقليأو كديني ولا أقول كحالي
حذراً من توهم السمع أنيقلت هذا في مَعْرِضٍ لسؤالي
وعلى جملة فإني أقول بمقتضى الحال:
كلّ البلادِ فداء مصر لأجلِ منقد زانها وهو الأميرُ الأوحدُ
مولاي إسماعيل ذو الحسبِ الذيتسعى الكرامُ لبيتهِ وتوحدُ
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع