من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
مدراس
ومن محاسن مصر: (المدرسة المنصورية) قال السيوطي: أنشأها والبيمارستان
الملك المنصور قلاوون، وكان على عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، فلما تمت دخل إليه الشرف البوصيري فمدحه بقصيدة أولها:
أنشأت مدرسةً ومارستانالتصحح الأديان والأبدانا
فأعجبه ذلك وأجزل عطاءه، ورتّب في هذه المدرسة دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودرس تفسير، ودرس حديث، ودرس طب.
ومدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون شرع في بنائها سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة. قال المقريزي: لا يعرف ببلد الإسلام معبد يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها أو حسن هندامها، أقامت العمارة فيها مدة ثلاثين سنة لا تبطل يوماً واحداً، ورُصد لمصروفها كلّ يوم عشرون ألف درهم، عنها ألف مثقال ذهباً، حتى قال السلطان: لولا أن يقال سلطان عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها.
وذَرْعُ إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعاً في مثلها، ويقال إنه أكبر من إيون كسرى بخمسة أذرع. وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة. قال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر: وكان السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض، فقال له البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عنه. فاتفق وقوع قضية في الفرائض مشكلة، فسئل عنها البهاء السبكي فلم يُجِب، فأرسلوا إلى الشيخ شمس الدين الكلايء، فقال: إن كان الفرائض من أبواب الفقه فما له لايجيب عنها!؟ فشقّ ذلك على البهاء وندم على
ما قال. وكان السلطان عزم على أن يبني أربع منائر فتمت ثلاثة، إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام، الذين كانوا قد رتّبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بأن ذلك ينذر بزوال الدولة، فاتفق قتل السلطان بعد ذلك بثلاثة وثلاثين يوماً!!
وقلما قيل من شيءٍ لمسألةٍإلا ويبدو لها في الناسِ من خبر
وفي هذه التواريخ ومدة العمارة تنظير.
ومن محاسن مصر (المدرسة المؤيدية) قال السيوطي: انتهت عمارتها سنة تسع عشرة وثمانمائة، وبلغت النفقة عليها أربعين ألف دينار، واتفق بعد ذلك بسنة، مَيْل المنارة التي بنيت لها على البرج الشمالي بباب زويلة، فأكثر الشعراء من القول في ذلك، قال الحافظ ابن حجر: وكنت قلت وأنشدت بمجلس المؤيد:
لجامعِ مولانا المؤيد رونقمنارتهُ بالحسنِ تزهو وبالزّين
تقول وقد مالت على البرج أمهلوافليس على جسمي أضرّ من العين
فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني، فقال إن فلاناً قد عرّض بك، فغضب واستعان بمن نظم له نقيضهما ونسبهما لنفسه، وعرف كلّ من يذوق الأدب أنهما ليسا له، لأنَّه لم يقع له قريب من ذلك:
منارة كعروسِ الحسنِ إذ جليتوهدمها بقضاءِ الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلطما أوجبَ الهدمَ إلا خسّةُ الحجر
قلت: هما للنواجي الأبرص لا بارك الله فيه، انتهى. من أنباء الغمر. وكان يقال ما أُتيَ المرءُ إلا من نفسه، وقال ابن النبيه:
بجامع مولانا المؤيد أُنشئتعروسٌ سمت ما خلت قط مثالها
ومذ عَلِمتْ أن لا نظيرَ لها انثنتوأعجبها والعُجْب عنّا أمالها
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع