من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
نكتة (٢)
الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسير قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر يوسف أعراض عن هذاوتربة مصر تقتضي ذلك، يعني قلة الغيرة، وفي المعنى يقول أبو مفلح:
في مصر من إذا رأى في أهلهِسوءاً كما في محكمِ الذكرِ حُكي
يقول إن كان له مروءةٌلا ترجعي واستغفري لذنبكِ
قال أبو حبان: وأين هذا مما جرى لبعض ملوك بلادنا؟ وهو أنه كان بمجلس ندمائه وجارية تغني من وراء الستر، فاستعاد بعض الندماء من الجارية بيتاً، وكانت غنّت به، فما لبث أن جيء برأس الجارية في طشت، وقال له الملك: استعد هذا البيت من هذا الرأس، فسقط الكأس من يد النديم، ومرض مدّة حياة الملك.
(قلت) وهذا من ذاك، وإلا فما الحامل على التعريض بالأسماع؟
تناقض ما نرى إلا السكوت لهُوأن نعوذَ بمولانا من النارِ
وقد أراح نفسه من ذلك عبد المحسن الصوري حيث يقول:
تعشقته سكران من خمرة الصباعلى غرّةٍ من لوعتي ونحيبي
وشاركني في حبه كلّ ما جديقاسمني في مُهجتي بنصيبِ
فلا تلزموني غيرةً ما ألفتهافإن حبيبي من أحبَّ حبيبي
ومن أبيات الوأواء الدمشقي:
ومحتجبٌ بين الأسنةِ والظباوفي القلبِ من إعراضهِ مثل حجبهِ
أغار إذا آنست في الحي أنّهحِذاراً وخوفاً أن تكون لحبّهِ
وفي المعنى للبهاء زهير:
أغارُ على حرفٍ يكون من اسمهاإذا ما رأته العينُ في خط كاتبِ
ومالي منها نائل غيرَ أننيأعلّلُ نفسي بالأماني الكواذبِ
حكى الصفدي في تذكرته عن الشيخ تاج الدين الفزاري أنه كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب يزعمون أن من أقام ببغداد سنة وجد في عمله زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بحلب سنة وجد في نفسه
شحاً، ومن أقام في دمشق سنة وجد في طباعه غلظاً، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة.
والذي يظهر أن ذلك بحسب الخلطة مع مساعدة البقعة والاستعداد، فقد رأيت من أقام بمصر فظهر بالتجبّر وآخر بالمذلة، وكان يقال:
عدوى البليد إلى الجليد سريعةوالنارُ تطرحُ بالرمادِ فتخمدُ
رُويَ أنّ الله تعالى لما خلق الأشياء، قال القتل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك. وقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال
الحياء: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك.
(ورُويَ) أن الله تعالى جعل البركة عشرة أجزاء تسعة منها في قريش وواحد في سائر الناس، وجعل المكر عشرة أجزاء فتسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس، وجعل النجابة عشرة أجزاء تسعة منها في الروم وواحد في سائر الناس.
وحُكيَ أن الحجاج سأل ابن القرية عن طباع أهل الأرض فقال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها، رجالها حفاة، ونساؤها عراة، وأهل اليمن أهل سمع وطاعة، ولزوم جماعة، وأهل البحرين قبط استعربوا، وأهل اليمامة أهل حق وائتلاف، وأهل فارس أهل بأس شديد، وعزٍّ عتيد، وأهل العراق أبحث الناس عن الصغيرة وأضيعهم للكبيرة، وأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر عبيد لمن غلب.
دع الأتراك والعرباوكن في حزب من غلبا
قال الجاحظ في كتاب الأمصار الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر، قلت وكلّ ذلك في كلّ أحد غاية ما في الباب، أن ذلك في هند أظهر منه في دعد، ومن أكثر من شيء نسب إليه.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع