تجاوز إلى المحتوى

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)

فصل

ومن محاسن حلب ومزاراتها جامعها الكبير، وفيه مرقد سيدنا زكريا - على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام- وقد زرته واستشفعت به لي ولسائر محبي.

وعلى ضريحه جلالة ومهابة، قال أبو ذر في تأريخه: سيدنا زكريا نبي الله- ﷺ نشر بالمناشير، وبعض أهل حلب يقول: إن نشره كان مكان العامود الأسود في صحن الجامع الكبير، ولا أعرف صحته. وقطعة من رأسه الشريف بجانبها في الحائط القبلي بالقرب من المحراب الكبير، وعليه ستر وعليه جلالة، وقد شوهد النور عدة مرات يخرج من ذلك المحراب. أخبرني من شاهد ذلك، وفي بعض السنين ختم صحيح البخاري في الجامع، فخرج النور فشاهده الحاضرون، وضج الناس بالتسبيح والتهليل. وقد أخبرنا صاحبنا الشيخ طه الجبريني قال: كنت أقرأ البخاري عند المحراب الأصفر في مصلى الشافعية عن يسار المستقبل، فخرج نور من جهة قبره- ﷺ ولا زال يرى حتى وقف على المحراب المذكور ربع ساعة، والمستمعون يشاهدونه عيانا. قال الشيخ طه: إلّا أني لم أشاهده لكوني مستدبر القبلة ومستقبل الجماعة، وذلك عام خمس

وخمسين ومائة وألف، انتهى.

وفي تاريخ ابن الشحنة إنّه قال: ولأبي بكر الصنوبري قصيدة مدح فيها حلب، وذكر فيها المسجد:

حلب بدر دجىأنجمها الزهر تراها
حبذا المسجد الجامع للنفس تقاها
موطن يرسي ذووالبر بمرساه جباها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
قبلة كرمها اللهبنور وحباها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ورآها ذهبا فيلازورد من رآها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ومراقي منبر أعظمشيء مرتقاها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
شرفات أنقات مدّ للطّرف مداها
وذرى مئذنة طالت ذرى النجم ذراها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ولفوارته ما لمتراه لسواها
أبدا تستقبل السحببحب من غشاها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فهي تسقى الغيث إن لميسقها أو إن سقاها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
كنفتها قبةيضحك منها كفناها
قبة أبدع بانيهابناء مذ بناها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
ضاهت الوشي نقوشافحكته وحكاها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
لو رآها مبتني قبةكسرى ما ابتناها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
فبذا الجامع سوريتناهى من تناهى
حييا السارية الخضراءمنه حيياها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
قبلة المستشرفالأعلى إذا قابلتماها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
حيث يأتي حلقة إلاداب منا من أتاها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
من رجالات حبى لميحلل الجهل حباها
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
من رآهم من سفيهباع بالجهل السفاها

وهي طويلة: ثم قال: وهذه السارية الخضراء كان يجتمع إليها المشتغلون بالأدب ومن قراء النحو واللغة، وقد ذهبت في الحريق. انتهى.

سميت البلدة بحلب باسم بانيها، وهو حلب من بني عمليق. وقيل إنما سميت حلب بفعل سيدنا إبراهيم الخليل، ﵇ وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، وذلك لما كان يرعى غنما له حول تل كان بها وهو الآن قلعتها، وكان له وقت يحلب فيه الغنم وتأتي الناس إليه في ذلك الوقت فيقولون حلب إبراهيم، وسميت لذلك. وتلقب قلعتها والبلدة بالشهباء والبيضاء وذلك لبياض أرضها وأحجارها، لأن غالب أبنيتها كانت من الحجارة

الحوارة، وفي ثمارها ومائها وسائر أقواتها من البركة مما لا يخفى على الفطن. قلت:

فو الله إني رأيت نهرها وهو صغير جدا بحيث لو أراد أدنى الناس قطعة لقطعه، وهو يزيد على كفاية حلب مع ما فيها من كثرة البساتين والقساطل والخانات والبرك والأحواض، بحيث لو شاهد أحد ذلك لاعتقد أن دجلة تعجز عنه. ورأيت كرومها وأشجار التين والزيتون والفستق واللوز تعيش بلا ماء، كذلك البطيخ الأخضر والأصفر. ورأيتهم يبذرون في ترابها وهو جاف غاية الجفاف فينبت، وما ذلك إلّا لطيب تربتها، الناشىء جميع ذلك من دعوة سيدنا إبراهيم الخليل- ﵊ قال ابن العديم في تاريخ حلب:

كان فيها مقام إبراهيم الخليل واستوطنها، وكانت له، ثم أمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة، فخرج عنها، فلما بعد عنها ميلا نزل وصلى هناك، وهو إلى الآن يعرف ذلك المكان بمقام إبراهيم الخليل، قبل حلب، فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها، ثم رفع يديه وقال: اللهم طيب ثراها وهواءها وحببها لأبنائها، فاستجاب الله دعاءه فيها، فصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبها، وإذا فارقها التفت وبكى، انتهى. قلت: ومن نعم الله تعالي أني أحببتها حبا يوازي حب وطني، ولما فارقتها تأسفت عليها وحزنت، ولما بعدت عنها نحو ميل التفت إليها متباكيا اقتداء بالسيد إبراهيم الخليل. أما قلعتها فهي على تل عال، وهو الذي (كان) يسكن فيه إبراهيم الخليل، وله فيها مقامان، أعلى بالمسجد الجامع، وهو الموضع الذي كان يحلب فيه الغنم، وموضع أسفل. وفي الجامع أيضا رأس يحيى بن زكريا موضوع في جرن. وقد زرت جميع ذلك

وتبركت به، ودعوت لي ولأحبابي، وأخذني عند ذلك خشوع من قشعريرة، وذلك يوم الجمعة، السابع والعشرين من رجب الأصب.

وفي هذا اليوم زرت قبر سيدي غوث، وهو في مسجد. ذكر ابن الشحنة أن الدعاء يستجاب فيه. ونقل عن ابن العديم أن به حجرا عليها كتابة، زعموا أنه خط علي بن أبي طالب، ﵁. وقيل إن غوثا هذا منسوب إلى غوث بن سليمان بن زياد قاضي مصر، وكان قد قدم مع صالح بن علي بن عبد الله بن العباس إلى حلب.

انتهى. قال الفقير: شاهدت الحجر والكتابة عليها، وتبركت بها، ودعوت لي ولسائر محبي وأخذني خشوع مع قشعريرة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.