تجاوز إلى المحتوى

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)

بستان آغا زاده (٣)

فالمطري وإن أطنب وأطال وأسهب لم يبلغ عشر عشر العشر من ذاك، فالعجز عن إدراك الإدراك إدراك.

من كان فوق محل الشمس موضعهفليس يرفعه شيء ولا يضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

سيدي جاءت إليّ الخريدة، واليتيمة الفريدة، التي لم ينسج ناسج على منوالها ولم تستطع البلغاء أن تأتي بمثلها، جلّت عن أن تجارى، وكبرت عن أن تمارى، بعبارات هي السحر الحلال، حرية بأن تضرب لها نواقيس الأمثال، جمعت فتناثرت فرائده، وحوت نغما يود العقيان أن تحلى به قلائده، فكيف بالمعارضة ومبانيها، وأني بالمقابلة ومعانيها سدت ثغور المجاز، فاستوت سفينة هذا الغبي الباقل في اليم، ورأى أن التسليم لسحبان البلاغة أسلم، وترك المعارضة أجدى وأحرى بعد أن كان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، لما أن العاقل يستر بالسكون جهله، حين لم يكن للفضل محله وأهله، لكن الذي جرأه على ما هناك، وسلكه مضايق هاتيك المسالك، علمه بأن مولاه يغضي عن ترهاته، ويبدل بسيئاته حسنات، فاختار التعجيز والتشطير ليكون دخيلا في نظم الشيخ الكبير، مستجيرا به من وصمة الإنكار، مستغيثا به من صولة الأخطار، فرد مدح الأصل والفرع إلى أستاذ النثر والنظام، لأن مدح أمثالي بما هو فوق ما فيه حرام، فالمؤمل أن تبردوا لوعته، وتؤمنوا روعته، فالمنسوب- كما قيل- محسوب، والمستجير يجب عنه دفع الخطوب، فقال:

بدور أسفرت تلك القوافيبأفق النظم أم زهر قوافي
أم البرق اللموع له وميضبليل الوصل أم خلّ موافي
أهاتيك الفواصل وصل حبتمادى بالقطيعة والتجافي
فأحيا ميت الأحياء لماأتانا زائرا والليل صافي
أتت تختال في تيه وعجبفألفينا التلاف من التلافي
وإذ في النظم تقفوها اللآليأرتنا كيف ننظم للقوافي
فحيتنا وأحيت ثم قالتأما نظمي حوى رشف السلاف
فلا تحسوا عقارا غير هذاحذار حذار من قول منافي
وكيف وقد أتت من عند ندبفأني تحتوي عيب الزحاف
ففاقت حيث جاءت من إمامهمام بالفضائل غير خافي
سليل الأكرمين أبي المعاليأثيل المجد حقا غير عافي
أخص البكرجي لقد أتانالداء النظم والإتقان شافي
فريد العصر للتقوى جناحبه تقوى القدامى والخوافي
غزير الفضل في علم وحلمكريم الجود ذو ود مصافي
عريض باتفاقطويل الباع من غير اختلاف
إليك أبا الفضائل بنت فكرتعثر بالخجالة في المطاف
وقد جاءت تلفع في نظامشتيت ذي عبارات ضعاف
وعذرا أيها المولى وصفحافاسبل ستر عفوك فهو ضافي
فعفوا أيها المصقاع عفواعن العبد المقصر باعتساف
لأني قد تركت النظم شغلابما قد دكّه عصف السوافي
وإني قد ولعت وذاك حقبما أبغيه من أمر العفاف
إذا ما كنت في سري وجهريمقرا صرت مأمون الخلاف
فإن تعذر فذا لطف وإلاأقول الله حسبي وهو كافي

ومما وقع السؤال عنه عبارة سعدي أفندي الواقعة على عبارة البيضاوي في قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

حيث قال البيضاوي: خلقه موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، وخلقه بدل (من كل بدل) الاشتمال، وقيل علم كيف قيمة المرء ما يحسنه أي يحسن معرفته وخلقه مفعول ثان، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف، فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل، وعلى الثاني بمتصل، انتهى.

قال سعدي أفندي: قوله فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل، يعني العقل، وفيه بحث فإنه صرح في أوائل [سورة] البقرة أن الشيء في أمثاله بمعنى المفعول فلا يحتاج إلى التخصيص، فإن قيل: لو سلّم [ب] ذلك فالله هو موجد الصفات الجليلة في ذاته المقدسة، بل هو موجود ذاته أيضا على ما زعم أكثر المتكلمين فما وجه الاحتياج إلى التخصيص؟ وما المانع عن الإبقاء على عمومه؟ قلنا: لفظ الخلق، فإنه الإخراج من العدم إلى الوجود لا الإيجاد مطلقا، ولهذا كفّروا من قال بخلق القرآن، وكذا صيغة أحسن تدل على الاختيار على ما حققه الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة، انتهى. قال العبد الفقير: لما وقفت على هذه العبارة وقف شعري، واقشعر بشري، حيث سلم أن الله موجد لذاته ولا يقول هذا من له أدنى مسكة في الإسلام- عافانا الله من ذلك، وسلك بنا أحسن المسالك- فإنه لا فرق بين الخلق والإيجاد كا هو معلوم من كتب (اللغة) المعتبرة. ثم

وقفت على عبارة الشيخ الكواكبي فلقد أحسن- ﵀ كل الإحسان، ونصها:

أقول الشيء في الأصل وإن كان مصدرا أو يكون بمعنى المشيء لكن إطلاقه لغة على ما يصح أن يخبر عنه فيعم الواجب والممكن والممتنع، فالتخصيص بناء. ثم قال سعدي أفندي هنا ما نصه: ولو سلم ذلك إلى قوله موجد ذاته، أقول لا يخفى ما فيه من البشاعة والشناعة فالإيجاد إحداث الوجود كما أن الإعدام إحداث العدم، ولذا قالوا: إنه لا يتعلق بالوجود الممكن لما فيه من تحصيل حاصل فضلا عن أن يتعلق بالواجب القديم الذي لا ينفك الوجود عنه. والذي عليه المتكلمون أن وجوده سبحانه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى الغير، وأن صفاته واجبة به تعالى، وهذا لا يقتضي صحة أن يقال في حقه- ﷾ أنه موجود ذاته أو صفاته، كيف والإيجاد إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. وأما الخلق فهو الإيجاد على قدر وتسوية كما ذكره القاضي وغيره، فهو أخص من هذا الوجه لا من الوجه الذي ذكره المحشي ويشتركان في إحداث الوجود، فلو عبر في الآية الكريمة بالإيجاد بدل الخلق لاحتيج إلى التخصيص أيضا، فالإيجاد جعل الشيء موجودا بعد أن لم يكن، أي لا يتعلق بالقديم أيضا، انتهى. وهو كلام حسن بل هو الصواب والله أعلم.

وكتبت منها إلى الموصل، لقريبنا عثمان آغا ابن درباس الدوري ثم الموصلي كتابا صورته: إن أبهى ما حاكته اليراعة من الوشي المحبر، وأشهى من مواصلة الحبيب بعد ما صد وهجر، تحيات صدرت من صدر عرى عن داء الملق، وسلم من عضال النفاق وبحسن الوفاق تخلق، واتخذ المودة ديدنه وشنشنته، وغرس المحبة في فؤاده فصارت خلقه وسجيته، تزف إلى من جر على مجرى المجرة ذيل مجده، وسما على كيوان فلك إقباله وسعده، تضوعت شمائله وأخلاقه، وزكت أصوله وأعراقه، وتخلص من الدنس محتده ونجاره، وعلا الجوزاء شرفه وفخاره، ذي الأخلاق التي يحاكيها المسك لولا فارته، والسمات التي يشبهها الورد لولا مرارته، والجهم الذي لا تقرع صفاته، والندس الذي لا تناط صفاته، عزت نظائر أمثاله، وضن الدهر بأن يأتي بمثاله، ولدنا الأكرم المطهر من وصمة الأدناس، السالم نسبه من قذر الأرجاس، عثمان آغا بن درباس، لا زالت ألوية سعده تخفق على كواهل الدوام، ولا برحت أعلام مجده منشورات على أعواد السمو بين الأنام.

وبعد، فإن منّ مولانا بالسؤال عن حال ودوده، فهو مقيم على ما تعهد من عهود، إلا أن شوقه الشديد نغّص عليه عيشه الرغيد، يتذكر تلك الشمائل التي أزرت بالعنبر الأشهب، والأخلاق التي بزّت المسك فكيف الرند والزرنب، لم يزل يذكر تلك الليالي التي كلها أعياد، والأوقات التي تجردت عن الأكدار والأنكاد:

أحن إذا خلوت إلى زمانتقضّى لي بأفنية الربوع
وأذكر طيب أيام تولتلنا فتفيض من أسف دموعي

نسأل الله أن يمنحنا رؤية محياكم، ويمنّ علينا بفضله بلقياكم، آمين.

وكتبت إليه أيضا: تسليمات زهت أزهارها، وتفتحت أنوارها، وترنمت عنادلها وأطيارها، وتسلسلت جداولها وأنهارها، على من ارتقى أفلاك السيادة، وامتطى متون السعادة، وربح في تجارة المفاخر، ونجح في بضاعة المآثر، فريد العصر والأوان، قرة عين الزمان، ووحيد الأتراب والأقران، ولدنا الأكرم الأمجد عثمان، لا زال سعده ثابتا بثبوت ثهلان، ولا برح إقباله باقيا ما بقي الفرقدان، أما بعد، فإن هذا الداعي مغمور بنعم الله الوفية، معمور الجوانب في آلائه الهنية، إلا أن الشوق تأججت زفراته، وتضرمت لوعاته، لم أنس أخلاقكم الحميدة، ولم أسل مكارمكم العديدة، عسى الله أن يمن باجتماعنا بعد البعاد، لنقضي بالتملي بمحياكم غاية المراد، آمين.

وكتبت منها إلى الموصل، لسيدي الفقيه العالم الصالح الشيخ عبد العزيز كتابا صورته:

من العبد المفتقر إلى عفو مولاه الغني أبي البركات عبد الله بن الحسين المعروف بالسويدي إلى العالم الذي عمل بما علم، وتجرد من علائق الدنيا، فسلم وسلم، الناسك الذي شد حبازيم الهمة لطاعة مولاه، وشمّر عن ساق الخدمة في عبادته ورضاه، ورأى حطام هذه الفانية عرضا غير دائم، فطوى دونه كشحا ولم يرعو لعذل عاذل ولوم لائم، اتخذ الليل جملا، وقطع عن هواه أملا، فأصلح لله عملا، ولم يبغ عن امتثاله حولا، سيدي الشيخ عبد العزيز، طرز الله أحواله أنفس تطريز، ونفعنا بدعواته الصالحة، وجعل أحوالنا ببركة أنفاسه مستقيمة راجحة ناجحة. (أما) بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو

وأصلي وأسلم على نبيه وحبيبه وصفيه سيدنا محمد المبعوث من أشرف جرثومة، وأكرم أرومة، فهدى الأمة، وكشف الغمة، فكان كما أخبر الله للعالمين رحمة، اللهم فصلّ عليه صلاة تحيط بجنابه الأعظم العالي صلاة دائمة ما دامت الأيام والليالي، وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء، وشموس الاهتداء. السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأني إلى ذلك المحيا الزاهر لشائق، وإلى ذلك الجناب الرفيع لتائق، نرجو الإمداد بدعائكم وهو إن شاء الله لا يرد، ونأمل أن تدخلونا في حصن نظركم، وهو نعم المعقل والمستند. ثم فصلت له أحوالي، وما وقع لي في حلب الشهباء، صانها الله عن كل (خطب) وبلاء، آمين.

وممن خدمنا وأكرمنا الشاب الصالح طه ابن الحاج عبد الله الزنيني، فلقد حوى ذكاء ولطفا ورفة وظرفا وكرما وسخاء ومعرفة وحياء، وقد طلب دعاء يدعو به فأجزته بالدعاء المأثور عنه، ﷺ، وهو أكثر دعائه: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك، وبارك فيما قدر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وأذنت له بأن يقرأه بعد كل فريضة ثلاث مرات.

واستجاز مني أيضا الشيخ الصالح المعمّر سيدي الشيخ بكري بن محرم الحلبي الأمشاطي دعاء يجعله وردا له، فأجزته بما هو مأثور عنه، ﷺ، وهو: اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمرى، وتلم بها شعثي وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي

وتعصمني بها من كل سوء. فأجزته بقراءة ذلك بعد صلاة الصبح مرّة وبعد العصر مرة وبعد العشاء مرة.

وطلب مني الشيخ الصالح محمد أمين الخطيب ابن الشيخ خليل الإمام أن أجيزه بورد يتلوه، فأجزته بحزب سيدي السيد عبد الله بن علوي باحداد، بأن يتلوه خلف المكتوبات مرة وهو: يا الله، يا لطيف، يا رزاق يا قوي، يا عزيز! أسألك تألها إليك، واستغراقا فيك، وفناء عمن سواك، ولطفا شاملا جليا وخفيا، ورزقا طيبا هنيا ومريا، وقوة في الإيمان واليقين، وصلابة في الحق والدين، وعفوا بك يدوم ويخلد، وشرفا يبقى ويتأبد، لا يخالطه تكبر ولا عتو، ولا إرادة فساد (ولا علو)، إنك سميع قريب، وسندي فيه عن شيخنا (السيد) أبي الطيب المغربي، عن الشيخ أحمد النخلي، عن السيد عبد الرحمن باعلوي، تلميذ سيدنا السيد عبد الله الحداد، وزوج بنته عبد الله بن علوي الحداد باعلوي، مؤلف الحزب المذكور.

وطلب مني الشيخان الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الكريم الشراباتي والشيخ سليم مولى الحاج نعسان الحلبي أن أجيزهما بالدور الأعلى لسيدي شيخ المحققين وأستاذ العارفين الشيخ محيي الدين ابن العربي نفعنا الله تعالى به آمين، فأجزتها، وصورة ما كتبته في الإجازة:

الحمد لله الذي نصر حزبه الأنبياء في جميع أدوار القرون، وختمهم بسيدنا محمد المبعوث في الدور الأعلى من أشرف البطون، وعلى آله وأصحابه وجنده وأحزابه.

وبعد، فقد التمس مني الشيخان العالمان الفاضلان الصالحان الناسكان سيدي الشيخ أبو

الخير محمد ابن الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وسيدي أبو الفضل الشيخ سليم مولى الحاج نعسان الحلبي، أن أجيزهما بالحزب المسمى بالدور الأعلى المنسوب إلى الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي، فأجزتهما بذلك بشرط التأمل والفهم لكلام الشيخ- قدس سره- وبشرط الخشوع واستقبال القبلة، وأن يكونا على طهارة كاملة، وبشرط أن يدعوا لي ولمشايخي وأصولي وفروعي، وقد أجزتهما بقراءته أي وقت أرادا، لكن إذا اشتدت أزمة، أو قدحت نائبة، فليلازما قراءته ملازمة أكيدة، والله خليفتي عليهما، وفقني الله وإياهما لصالح الأعمال، وأحسن إلي وإليهما في جميع الأحوال آمين، وسندي فيه في عموم تآليف الشيخ محي الدين بن العربي عن الشيخين العالمين الشيخ محمد والشيخ حسين عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري ثم المكي، وعن الإمام زين العابدين الطبري، عن والده الإمام عبد القادر الطبري، عن جده يحيى بن مكرم الطبري، عن الحافظ عبد العزيز بن الحافظ عمر بن فهد المكي، عن والده النجم عمر بن فهد المكي، عن

الجمال محمد بن إبراهيم المرشدي المكي، عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد بن (سليمان) النشاوري المكي، عن الإمام أبي أحمد رضي الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي عن الشيخ الإمام محي الدين محمد بن علي بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي ثم المكي ثم الدمشقي.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «النفحة المسكية في الرحلة المكية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.