تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

الفصل التاسع

لهذه الاستخارة المنامية أدعية مختلفة. منها ما سمعته في الآثار. ومنها غير ذلك فقد رأيت في بعض الكتب أنه يقول بعد الصلوة والدعاء الوارد اللهم يا هادي اهدني ويا عليم علمني ويا مبين بين لي ويا خبير خبرني عن أمري ويسميه وينام على وضوء مستقبل القبلة وفي بعضها زيادة واضعاً خده على كف يده اليمنى وهو مما لا بأس به والاقتصار على الوارد أولى) نعم (الطامة الكبرى ما ذكره ابن خلدون في كتابه المشهور وسماه بحطومة الانطباع التام وذكر أنه يقرأ عند النوم بعد فراغ السر وصحة التية فيرى القارئ ما يرى وهو تماغس بعد أن يسوادد أغداس نوفنا تمادس. وذلك فإن هذه الأسماء مجهولة المعنى لم ترو قراءتها ولا الأمر بها عن المعصوم عليه الصلوة والسلام وقد صرحوا بحرمة قراءة مثل ذلك لعدم الأمن من تضمنه محظوراً ولا أقل من الكراهة وندب الترك لخبر يدع ما يريبك إلى ما يريبك) ومن الاستخارات الشائعة (الاستخارة بالقرآن ويسمونها تفاؤلاً ولهم فيها كيفيات شتى والظاهر أن ذلك مما لا دليل على مشروعيته. وفي شرح فقه الأكبر لعلي القارئ ما نصه ومن جملة علم الحروف فال المصحف حيث يفتحونه وينظرون في أول صفحة أي حرف وافقه وكذا في سابع الورقة السابعة فإذا جاء حرف من الحروف المركبة من تشخلا كم حكموا بأنه غير مستحسن وفي سائر الحروف بخلاف ذلك. وقد خرج ابن العجمي في منسكه قال ولا يؤخذ الفال من المصحف قال العلماء اختلفوا في ذلك فكرهه بعضهم وأجازه بعضهم ونص المالكية على تحريمه انتهى. ولعل من أجاز أو كره من اعتمد على المعنى ومن حرمه من اعتبر حروف المبنى فإنه في معنى الاستقسام بالأزلام انتهى كلام القاري. والذي أميل إليه الكراهة مطلقاً ولا يبعد القول بالحرمة كذلك فتأمل) ومن البدع (ما يستعمله الشيعة من التفاؤل بالسبحة ونحوها على سائر الكيفيات المعروفة بينهم وكذا ما يفعله كثير من الناس من التفاؤل بديوان الحافظ الشيرازي قدس سره وقد تفاؤل لي بعض أصحابي يوم عزيمتي على السفر فخرج قوله:

كل بر در ومي در كف ومعشوقة بكامستسلطان جهانم بجينين روز غلامستِ
حافظ منشين بي مي معشوقة زمانيأيام كل وياسمين وعيد صيامست

) وللعوام تفاؤلات بغير ذلك (من أقدمها التفاؤل بالطيور وكانت الجاهلية تفاؤل بأسمائها وأصواتها وأحوالها وتتشاءم بذلك وعليه قول ذي الرمة:

رأيت غراباً ساقطاً فوق قضبةمن القضب لم ينبت لها ورق خضر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة»
فقلت غراب لاغتراب وقضبةلقضب النوى هذي العيافة والزجر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة»
وهبت جنوب باجتنابك منهمونفح الصبا تلك الصبابة والهجر

وقول كثير عزة:

رأيت غراباً ساقطاً فوق بانةينتف أعلى ريشه ويطايره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فقلت ولو أني أشاء زجرتهبنفسي للنهدي فهل أنت زاجره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فقال غراب لاغتراب من النوىوفي البان بين من حبيب تحاوره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فما أعيف النهدي لا در درهوأزجره للطير لا عز ناصره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»

وقول بعضهم:

دعا صرد يوماً على غصن بانةوصاح بذات البين منها غرابها
فقلت أتصريد وشحط وغربةفهذا لعمري نأيها واغترابها
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

ومثل ذلك الطرق بالحصى والتشاؤم بالعطاس إلى أمور كثيرة من هذا الباب ولله تعالى در من قال:

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصىولا زاجرات الطير ما الله صانع
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وقال صابي بن الحرث البرجمي:

وما أنا ممن يزجر الطير همهأصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشيةأمر سليم القرن أم مر أعضب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب»

وقال شاعر قديم:

لا يمنعنك من بغاء الخير تعقاد التمائم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»
ولا التشأم بالعطاس ولا التيامن بالمقاسم
ولقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحائم
للشاعر خزر بن لوذان السدوسي، اقرأ القصيدة
فإذا الأشايم كالأيامن والأيامن كالأشايم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وكذاك لا خير ولا شر على أحد بدائم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»
قد خط ذلك في الزبور الأوليات القدائم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»

وصح لا عدوى ولا طيرة. والطيرة على ما قال المناوي التشاؤم بالطيور والظاهر أن مثله التشاؤم بغيرها) نعم (في التشاؤم بالمرأة والدار والفرس خلاف وقد ذكر الجلال السيوطي في حاوي التاوي قد ورد في التشاؤم بالمرأة والدار والفرس الحديث واختلف العلماء هل ذلك على ظاهره أو مؤول والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك انتهى. ثم أن التفاؤل بنحو سماع كلمة طيبة مما لا أرى فيه بأساً بل قد ورد أنه عليه الصلوة والسلام كان يحب الفأل فليحفظ. وكل هذا استطراد وتحقيق الكلام عليه في محله وليس الغرض إلا تحقيق الاستخارة التي ذكرها الفقهاء وذكر أني قد فعلتها فخار لي ربي ﷿ السفر) فخرجت يوم الخميس (لما أنه يوم مبارك وقد جاء في خبر اللهم بارك لأمتي في سبتها وخميسها وفي البخاري كان عليه الصلوة والسلام قلما يخرج إذا خرج في سفر إلا في يوم الخميس وفي رواية للشيخين ما كان يخرج) ﷺ (إلا في يوم الخميس لكن ذكر غير واحد أنه) عليه الصلوة والسلام (خرج مرة يوم السبت وبكرت في الخروج لخبر اللهم بارك لأمتي في بكورها وفي رواية بزيادة لا سيما يوم الخميس. ثم أن في هذا اليوم تفاؤلاً من جهة أنه يوم بث الله تعالى فيه الدواب في أصل الخلق وأخرجها من العدم إلى الوجود وجعلها تسرح في رياض كرم وجود ومن جهة أنه خامس أيام الأسبوع بناء على ما اختاره من أن أوله الأحد لا السبت كما قاله جمع والخمسة عدد مآثر لا تعدم بضربها في نفسها وضرب الحاصل في نفسه وهكذا إلى ما لا يتناهى ومن جهة أن اسمه قبل مؤنس كما قيل:

أؤمل أن أعيش وأن يوميبأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن انتهفمؤنس أو عروبة أو شيار

ومن هذا يعلم سائر أسماء الأسبوع من قبل وفي السفر فيه للغزو تفاؤل آخر من جهة أنه اسم للجيش ففيه تفاؤل على الظفر بالخميس أي الجيش لأنه عبارة عن مقدمة وقلب وميمنة وميسرة وسافة. وكان ذلك أول جمادى الآخرة وجمادى كحبارى معرفة مؤنثة تجمع على جماديات ويقال للأولى جمادى خمسة وللآخرة جمادى ستة نظراً إلى أن الأولى خامسة شهور السنة المفتتحة بالمحرم والآخرة سادستها وكانت تسمى زبى كزنى وكذا لغيرها من الشهور أسماء في الجاهلية غير المشهورة. فالمؤتمر للمحرم. وباجر لصفر. وخوان كشداد لشهر ربيع الأول. وبصان كغراب ورمان لشهر ربيع الثاني. وحنين كأمير وسكيت وباللام فيهما لجمادى الأولى والآخرة وما سمعت للآخرة فقط. والأصم لرجب. والعادل لشعبان. ونانق لرمضان والوعل لشوال. وورنه لذي القعدة. وبرك كزفر لذي الحجة.) واخترت (أولى المشهد لأنه أول أيام الليالي الغرر فلا يخلو ذلك عن تفاؤل لا سيما والقمر متوجه إلى الكمال. واعلم أن لكل ثلاث ليال من الشهر أسماء يخصها وقد نظم ذلك فقيل:

ثم ليالي الشهر قد ما عرفواكل ثلث بصفات تعرف
فغرر ونفل وتسعوعشر فالبيض ثم الدرع
وظلم حنادس دآديثم المحاق لانمحاقٍ بادي

) وكنت (قد التمست الرفيق قبل الطريق لخبر رافع بن خديج التمسوا الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. لكن قال الكمال ابن أبي شريف أنه منكر وقد أشرت إلى الرفيق فيما مر) وأنا أقول (الآن هو حضرة الوزير والمشير الخطير) عبد الكريم باشا (دام بخير وعاشا يلقب بعبدي بين الأكابر والأصاغر. ولقبه حضرة السلطان عبد المجيد خان بالنادر جاء إلى بغداد مشير عساكر الحجاز والعراق فوقع بينه وبين واليها حضرة نجيب باشا سيء الشقاق وأنى يتصافى لا سيما في العراق عشاق هند وهل يجمع السيفان ويحك في غمد فعرض كل منهما للباب العالي شاكياً على صاحبه طالباً أن يسلب من يديه لحمة منصبه بقوى مخالبه فصادف ذلك انتهاء مدة الوالي في أم الكتاب فجاء البريد أسرع من رجع العطاس بفصله من جانب الباب وكان علاوة على ذلك نصب النادر بدله وتوجيه النيشان ذي الشأن له.

ما حيلة الرامي إذ التقت العدىوأراد يرمي السهم فانقطع الوتر

فعلا النجيب من ذلك حزن عجيب وخرج من بغداد ملتفتاً إليها بقلب ذي وجيب ولم يسر النادر نصبه والياً وكان منصبه الأول في عينه وعينيك حالياً وكان يهوى قلبه البقاء في العسكرية وليس له وراءها إلى المنية أمنية لأنه نشأ فيها ووقف على جليها وخافيها فهي حبيبه الأول الذي لا ينتقل عنه ولا يتحول فلسان حاله يقول وتسمعه إذا صاخت إليه آذان العقول.

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلباً خالياً فتمكنا
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «أهيم بخود عندها القلب قد فنى»

على أنه يعلم أن علم السياسة أدق من عمل الإكسير. والفتق الذي فتقه سلفه يعجز عن رتقه دقيق التدبير وأن ليس عنده من يحل رجل دجاجة أو يقضي له من حاجة أدنى حاجة وكان سلمه الله تعالى ذكي الأخلاق زكي الأعراق طاهر الثياب نقي الأهاب لين الجانب مكرم الصاحب إذا دقق بهر وإذا فكر شق الشعر يحب الكرم ويكره من ظلم لا يرتوي جواد ذهنه من حياض التفكر في عظمة ذي الكبرياء ولا يزال طرف طرفه سارحاً في رياض ملكوت السماء كلماته تعد وكمالاته لا تحد بيد أنه لا يلتزم لامرئ أمراً ولا يتجرع لشرب حلو مراً قد حول كل أمر إلى القدر فلا يغضب إن عصي إذا نهى أو أمر) وبالجملة (هو نادر الأمثال فيمن رأينا من الرجال ما أحسن صحبته وأجل لمن ليس له عنده أمل أسأل الله تعالى أن يديمه في سعود وصعود ويكفيه على ممر الزمان كيد كنود وحسود) والرفيق الثاني (الذي التمسته وأدركت منه اللطف من قبل وآنسته أخي الذي لم أزل معه ولم يزل معي) جناب مصطفى بك أفندي الربعي (وهو من قوم كانوا في بغداد أعيان مجد يشار إليه بالأصابع وأقران فضل لا طاعن فيه ولا مدافع.

إذا ركبوا زانوا المواكب هيبةوإن جلسوا كانوا صدور المجالس

صار أبوه) علي بك (في بغداد قائمقام واليها سليمان باشا الكبير وكان عند الوالي المشار إليه ذا قدر على خطير ونصبه بعد متسلما في ماردين وهناك تسلمت الملائكة روحه فعرجوا بها إلى عليين وهو ابن عبد الله بك بن محمد أفندي دفتر دار بغداد المحمية وقد ورد دفتر دار إليها من جانب الدولة العلية وهو ابن علي باشا كان والياً في الحدباء أتاها من قبل الدولة سنة خمس وتسعين بعد الألف وحكم فيها ثلاث سنين على ما ذكره العمري في كتابه منهل الأولياء وذكر فيه أيضاً قصة غريبة لهذا المرحوم ونص على أن اسم أبيه عليه الرحمة قدوم وذريته تنكر ذلك الكلام وترفع رأسها إلى بعض الصدور العظام وتقول أن ذلك الصدر كان من رؤوس ربيعة وأنه كان صدراً عند حضرة السلطان مراد يوم جاء إلى بغداد فنال بفتحها الفخر جميعه وقد فاز عند الفتح بالشهادة وحاز بالرفع إلى عليين أعلى مراتب السعادة) وأنت تعلم (أن الناس مأمونون على أنسابهم كذباً أو صدقاً نعم يطالبون بحجة إذا ادعوا بها حقاً وأن التسامع في هذا المطلب نافع على أن النفس إذا كانت بأهلية لا يجديها نفعاً شرف الأنساب ولو كانت هاشمية.

ما تنفع الأنساب من هاشمإن كانت الأنفس من باهلة

فبلال حبشي وأبو لهب قرشي ولله تعالى در من قال:

كن ابن من شئت واكتسب أدباًيغنيك مضمونه عن النسب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «كن ابن من شئت واكتسب أدبا»
إن الفتى من يقول هاأنا ذاليس الفتى من يقول كان أبي

ولعمري لا ينفع الحسب ما لم يكن بالمكتسب.

وما الحسب الموروث لا در درهبمحتسب إلا بآخر مكتسب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وما الحسب الموروث لا در دره»
إذ العود لم يثمر وإن كان شعبةمن المثمرات اعتاده الناس للحطب

والشرف النسبي في حكم النعت السببي ومن الجهل والغرور التعاظم بعظام في القبور ولله تعالى در ذي النظم الدري والنثر العبقري سلطان بني الآداب عبد الباقي أفندي العمري في قوله دام صيب فضله:

قل لمن ظهر التعاظم في الأرضعلى الناس بالعظام الرميمة
لا تكن بالعظام كالكلب مغريليس في الكلب ويك في العظم قيمة

وقوله:

أقول لمن غدا في كل وقتيباهينا بأسلاف عظام
للشاعر عبد الباقي العمري، اقرأ القصيدة
أتقنع بالعظام وأنت تدريبأن الكلب يقنع بالعظام
للشاعر عبد الباقي العمري، اقرأ القصيدة

وقوله:

لم يجدك الحسب العالي بغير تقىمولاك شيئاً فحاذر واتق الله
للشاعر عبد الباقي العمري، اقرأ القصيدة
وابغ الكرامة في ترك الفخار بهفأكرم الناس عند الله أتقاها
للشاعر عبد الباقي العمري، اقرأ القصيدة

والكلام في هذا الباب مما تضيق عنه صفحات هذا الكتاب وفيما ذكرنا غنية عن المزيد ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد على أن الأمر أوضح من صباح فأي حاجة إلى مصباح) ثم أني أقول (ويشهد لي بذلك عدول إن أباء الرفيق المومى إليه رحمة الله تعالى عليهم وعليه لا يختلف في جلالتهم اثنان ولا ينتطح في شرفهم كبشان وقد أراد هو أن يتسور ما تسوروا ويجسر على الكسر والجبر كما جسروا ويصل إلى ما وصلوا وينزل من العلياء حيثما نزلوا فجهد وجد لكن لم يساعده الجد.

إذا لم يكن للمرء جد مساعدفلا جهده يغني ولا جده يجدي
وجد الفتى من غير جد يعينهكسيف بلا حد وكف بلا زند

ونهاية امرأ أن مد الزمان له يداً فرفعه حتى جعله عند عبدي باشا في بغداد كدخدا إلا أنه لم يمهله أن يجبر كسراً أو يسر سراً أو يسدي يداً أو يرد على صديق ردي أو يبني كأسلافه مجداً أو يبقي بإحسانه على الأحرار لا خلافه عبداً حيث ضيق بواسع الحوادث صدره ونفث في عقد عقله فغير فكره ولم يزل يغريه بأشياء كان هو ينكرها على غيره ويحسن له أموراً كان يكرهها في سره وجهره وبذلك وجد عليه من وجد وثنى عنه عطفه بلا اكتراث معظم وجوه البلد وقبل أن تنجلي عنه غياهب المحن ويفطن لما غشه به غشاش الزمن صرحت الأقدار وصرحت الأخيار بعزل وزيره وحطه عن سريره وأمره بالذهاب إلى آمد السوداء وتوجيه أيالتها بدل أيالة الزوراء فعند ذلك عادت إليه أفكاره التي كانت له في الأصل وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل وقد كانت بيني وبينه رحمه الله تعالى محبة شديدة ومودة لم تزل على ممر الأيام أكيدة لا تكاد نفترق في أغلب الليالي والأيام إلا لحاجة ضرورية أو ضروري منام وكنت أوفر أخلائه نصيباً من وافر هممه وكان يذب عني ذب الغيور عن حرمه ومن كرامة نفسه أنه يغضب من غية بني جنسه بل يغضب من غيب أعدائه فضلاً عن أصدقائه وأحبائه وكان إذا نطق لا يتلعثم وكثيراً ما يضحك وهو يتكلم وله عقيدة أصفى من الحليب ومذهب السلف إليه أحب حبيب وكان معظماً بين الكوله مند حيث أن له ولاء يخفق لواؤه على فريقهم بنسائم عتق فعله الجد ولإثبات هذا الولاء في حق داود باشا تجشم السفر للأستانة العلية فسوعد وأثبت إلا أنه قبل أن يلوي عنان الرجعة لوت ساعد حياته المنية ويا سبحان الله تعالى كان بصدد أن يقبض أرث المشار إليه فقبضت روحه وبقصد أن يسكن ريح من يشق ذلك عليه فسكنت ريحه.

يرجى المرء ما أن لا يراهويعرض دون أدناه الخطوب

وقد لبس من الشهادة الحلة الفاخرة سنة تسع وستين ومائتين وألف تاسع جمادى الآخرة من الله تعالى عليه بالرحمة والغفران وأورثه بدل ما فاته من الإرث غرف الجنان.

) والرفيق الثالث (في هذا السفر الحادث) هو سليمان بك (بن ليث أوغا كدخدا بغداد سابقاً الحاج طالب أغا ارتضع در الفضل صغيراً وتقلد در الأفضال كبيراً عانى فن الكتابة فمهر في الإنشاء فهو اليوم ينظم الكواكب الدرية في سلك تحريراته التركية إن شاء.

عباراته في النظم والنثر كلهاغرائب تصطاد القلوب بدايع
فهن لأجياد المعالي قلائدوهن لأجناد المعاني طلايع

أقرت له بارق كتاب الروم وقالت أنى لنا أن نقر بالرق سواري النجوم فيا له من كاتب جمع العجائب والغرائب.

إن هز أقلامه يوماً ليعملهاأنساك كل كمي هز عامله
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»
وإن أقر على رق أناملهأقر بالرق كتاب الأنام له
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «إن سل أقلامه يوما ليعملها»

قد سخرت له جن المعاني المتعاصية على الأذهان ولا بدع إذا ما سخرت الجن لسليمان ولعمري لو صعد الذهن النظر في بلقيس كتبه وصوب لظهر له من معانيها وألفاظها غاية العجب.

معان كالعيون ملئن سحراًوألفاظ موردة الخدود
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «معان كالعيون ملئن سحرا»

ومع ذا إذا نظم أبدع وإذا تفتق نور شعره فالحسن بين مرصع ومصرع وينضم إلى ذلك لين جانب ورعاية صاحب وكرم أخلاق وحسن وفاق.

ولو أن المكارم صرن نفساًلكان لها الضمائر والعيونا
للشاعر أبو إسحاق الجرجاني، اقرأ القصيدة

فهو الذي اجتهد في طلب الكمال ففاق وقلد بدور الأفضال سائر الأعناق فيا له من مجتهد مقلد ومسددٍ مسدد ما صحب ذا عقل من الوزراء إلا كان مقدم حزبه والمستولي على سمعه وبصره وقلبه كل ذلك لعلو همته ومزيد صدقه في خدمته لا يترك وإن ضاقت لسعة غائلته الأوقات الاشتغال بما عين له من النفي والإثبات ويميل في الاعتقاديات إلى مذهب الحلف وكم له في ذلك الميل من سلف ولا يرى في العمليات غير تقليد الإمام الأعظم وتعظيم سائر أئمة الدين عنده أمر ملتزم فكلهم درر مستجاده إلا أن الإمام الأعظم واسطة المقلادة ولله تعالى در شيخ الإسلام الكاشف بدراري حكمه عن جو سماء الحقيقة الظلام ذي الخلق العطر الندي أحمد عارف حكمت بك أفندي حيث يقول:

إن الأئمة عقد در فاخروأبا حنيفة درة التيجان
بعلومه تزهو الشريعة ما علتزهر الربا بشقائق النعمان

ولقد أنصف بقوله دام فاضل فضله:

إن الأئمة كالمناهل في الهدىوالناس مثل الوارد الظمآن
والنفس إن رويت بأول منهلغنيت بلا كره لشرب الثاني
للشاعر عبد الله بن علي آل عبد القادر، اقرأ القصيدة
يحيى من الرحمى موات قبورهمصوب الغمام بوابل هان

) وأبو هذا المترجم (حفظه الله تعالى من كل ألم كان حسن السياسة ذا عفة وكياسة وكان محباً للعلماء ومحبوباً لجميع أهل الزوراء وهو من موالي حضرة الوزير أبي الوزراء سليمان باشا الكبير وليس لأحد على كاهل ولده لواء ولاء لعدم وجود الشرط الذي اعتبره في هذا المقام الفقهاء) وبالجملة (ما أدرك ذو حس مثل هذا الأب والابن وروح القدس غير أن هذا الابن فاق أباه وغدا أعرف في أمور أخراه وأولاه وهو في الدهاء بين كتاب الزمان أشبه رجل بكاتب الوحي معاوية ابن أبي سفيان وبين ما للأمراء من ذوي الاختصاص يحكي داهية العرب عمرو بن العاص فلعمري وعمره هو معاوية هذا الزمان وعمره جعله الله تعالى على المقام وأناله من حسن الآمال غاية المرام.

) واتفق (أن وافقنا في المسير غنياً عن رفاقه مأمور وأمير شامة وجنة الأحباب حضرة) إقبال الدولة (الشهير بالنواب وهو رجل من ملوك الهند سكن العراق ووافقه صباه وجنوبه غاية الوفاق وعرف الناس وعرفوه وألف الأخيار وألفوه حيث كان ذا خلق أرق من دمعة الصب وطبع ألطف من وابل غيث غب الجدب وله مع الأحبة منهاج لا تجد له ولو تتبعت من هاج ومزاج عير أجاج هو لمدام الأنس خير مزاج مع عراقة أصل ورجاحة عقل وكمال فضل يحب بشر أشره العترة الطاهرة وليس له رأس مال سوى ذلك في الآخرة ولا يقبل منقولاً ما لم يكن لديه معقولاً وله نظم في الفارسية الدرية رائق ونثر كالنجوم الدرية فائق والذي أوجب سفره حب رؤية سوق لم يسبق مثله أحدث في لوندره ومن عادته حب رؤية الغرائب ولو صرف لأجلها جل الرغائب على أن ما صرف ولو بلغ حد السرف قل من جل وغيض من فيض فقد يسر الله تعالى له تجارة رابحة وأتاه) من الكنوز ما إن مفاتحه (فليس عليه لأحد سوى الله تعالى منه ولا يرى محنة تعالج بمرهم الدراهم محنة ولقد آنسنا برفاقته لغاية لطفه ونجابته لا زال يسرح في رياض النعم محفوظاً من كل ألم بحرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.

) وعند (ما وضعت رجلي بالركاب وتنادت بالرحيل الأصحاب تشبث بأذيالي عيالي وأطفالي وقالت لا نطيق الفراق ولا نقدر على علاج آلامه ولو جئنا بألف راق ودونك فادفنا أحياء إن لم تجد في هذه الأحياء لداء حاجتنا دواء وجعلت تذري دموعاً حمراً وتذكي في كانون فؤادي عوفيت جمراً وكادت تصرخ بالويل وتشق الجيوب إلى الذيل فناديتها ودموعي كدموعها ذواري.

ذريني أن أسير ولا تنوحيفإن الشهب أشرفها السواري
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

فشرعت تخوفني عجزاً وذله ما قد يحدث للغريب من سقام وعله:

فقلت أليس الموت إن لم ألاقهأمامي أتتني خيله من ورائيا
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أبت نوب الأيام إلا تماديا»
فما عذر أهل العجز والكل تابعجديساً وطمساً والقرون الخواليا
وهل منكر للضيم مات ولم يمترويبضة ما زال بالدار ثاويا
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أبت نوب الأيام إلا تماديا»
ومن لم يفارق منزل الذل الذي لم يرحويغدو إلا موجع القلب باكيا
ومن يبق في دار الهوان يعش بهاأخاً مضض لا يبرح الدهر شاكيا
عدمت يميني إن أقمت على القلىنعم وتلتها عن قريب شماليا
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «أبت نوب الأيام إلا تماديا»

فلما تحققت أفي لا أحول أنشدت تقول:

هو الصبر والتسليم لله والرضىإذا دهمتنا خطة لإنشاءها

فتركت الله تعالى الخليفة فيهم وسرت مع صحبي والله ﷾ أعلم بما تضمنه قلبي:

هواي ورائي والمسير خلافهفوجهي إلى بلخٍ وقلبي إلى الكرخ

وشيعني أحبه وقد اغرورقت منهم بالدمع عيون المحبة وآخرون قد خنقتهم حبال الغبرة وحرقتهم من خيال البين جمره حتى إذا ودعتهم ولله تعالى أودعتهم انفصمت منهم عرى الأجفان فجادت عزاليها بوابل هتان فسرت وإنسان عيني بالدمع غريق وبين حنايا ضلوعي من نيران الفراق حريق واعترتني دهشة وأضل طائر عقلي عشه فلم أدر أيمنة أضرب أم شامة ونجداً أقصد أم تهامة فلما اعتم الليل واعتم الجو بشملة الويل بت بليلة أنقد أرعى السهر والفرقد حتى إذا ذاب كحل الدجى بدمع فجره وآب أسير الضياء طليقاً من قيد أسره رأيت حولي ولدي عبد الباقي جعله الله تعالى راقياً أعلى المراقي فعقلت في الجملة نفسي وعلقت يدي بأذيال ما فارقني من حسي فسألته عن مذهبه وأمره الذي جاء به فأخبرني أنه لم يطق فراقي وأنه معي إلى انتهاء أيام سفري إن شاء الله تعالى باقي فحسنت له الرجوع إلى أمه والهجوع من أخيه وعمه فلم يكن يعقل ويعي وأبى إلا البقاء معي وحدست أن أمه سهلت عليه سلوك الفجاج وأرسلته ليكون رقيباً علي يمنعني مما عسى أن أهم به من الزواج فقدم حقوقها على حقوقي وقدم على تحمل مشاق السفر العقوقي فأذنت له بالبقاء لعلي أداوي به علل الأحزان وقلت لنفسي لا تيأسي فما شاء الله تعالى كان على أن وإن كنت في حب النكاح مشهوراً قد جعل الله تعالى اليوم بيني وبين ذلك إحجاباً مشتوراً حيث أجدني قد صرت مما عناني عنيناً وأظنك بعد أن ترني لو كشف لك الغطاء لم تزدد يقيناً فما أولاني في هذه الأوقات بقول عبد الرحيم قاضي هرات.

قالوا تزوج بأرض مروتعش أخاً غبطة وخير
فقلت أحسنتم ولكنبأي مالٍ وأي أير

ولو رجعت إلى الجد لكنت من قبل الحرى بقول العلامة جار الله الزمخشري:

تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصبفيا ليتني قد مت قبل التزوج
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصب»
فوالله ما أبكي على ساكني الثرىولكنني أبكي على المتزوج
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصب»

وعلى العلات بقي في معيتي وشغل بخدمته خدمتي عن خدمتي) ثم (إنا لم نزل نفري بطون الوهاد ونلطم وجه الصحصحان بأيدي الجياد حتى ارتضع صبي العين در الأنس من ثدي) أم الربيعين (فنزلنا عند جسرها حتى دعانا وردة زهرها ذو الذهن العبقري محمود أفندي العمري إلى بيته روضة الآداب وغيل ليوث أبناءه) أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (وهذا الفاضل فيلسوفي الفكر قد غاص غواص ذهنه في بحار الحقائق فاستخرج الدرر وله اطلاع على العلوم الغريبة وله بواسطتها سهام أخبار لهدف الصدق مصيبة قد جعل الفتوحات المكية ثاني قرآنه وزين بفصوص الحكم خواتم زمانه واستغنى بالتنزلات الموصلية عن الترفعات الدنيوية ومطالعة الكبريت الأحمر عن قدح زناد الفكر في تحصيل الذهب الأصفر يحب الشيخ الأكبر أكثر من نفسه وولده ولا كذلك أغلب خواص علماء بلده وله عقل يعقل به الفلك الدوار إن شاء ولا يغلبه في ميدان خصام أحد إلا القضاء ولقد شاع في علم الطب فضله حيث غدا تذكرة لصاحب القانون وحوى مالاً يسع الطبيب جهله) وبالجملة (قد غمس يد فكره في كل فن ولم يحد عن صوب الصواب كل ما خطر له وعن طالما ينادم خرائد الأفكار وراء أستار الخلوة وقلما يشافه غواني الأسرار على أرائك الجلوة وما ذلك إلا لكونه بالأفق الأعلى من الحكمة وبمقعد صدق من علو الهمة ولقد صحبته كثيراً في بلدتي وشفيت بمعجون ياقوت حكمه علتي:

وكانت بالعراق لنا ليالٍسرقناهن من أيدي الزمان
جعلناهن من تاريخ اللياليوعنوان المسرّة والأمان

وهو اليوم قد شرفت الزوراء بزورته ورشفت الأخلاء حمياً وصلته حيث رأى الحدباء قد ولى شبابها واحدودب ظهرها وكشر نابها ونكحت غير كفوها وجادت على كدر السيرة والسريرة بصفوها وقد حل في بيت أخيه الأوحدي آية الله تعالى الكبرى عبد الباقي أفندي ونحن ولله تعالى الحمد معهما في روض من الأنس أريض وركض في ميدان من الأدب طويل عريض تخطاهما كل سوء وعداهما ودانت لأقدامهما رؤوس عداهما ولا زالا في سماء الفضل فرقدين ولفلكي الحدباء والزوراء منطقتين) ولما (حللت في بيت المومى إليه لا زال ممدود الفضل مقصوداً عليه جاء لزيارتي علماء أعلام كل منهم في حلبة الرهان أمام أولهم وأولاهم وأفضلهم وأغلاهم الفاضل السري) عبد الله أفندي العمري (وهو نور الشجرة العمرية ونور فرق العصابة الفاروقية إليه انتهت رياسة العلماء وعليه حدبت طلبة العلم في الحدباء فعنه يروون ومن زلال فضله يرتوون جاء منذ ثلاثين سنة إلى بغداد وقرا فيها لأمرِ ما عند غرباء العلماء الأمجاد فأصلد القدر له زنداً ونادته غواني الاستفادة مكانك أن حراسنا أسداً وفي أثناء هاتيك الأوقات قرأت عليه بعض القراءات فهو أحد مشايخي في القرآن وأنا أفتخر به على سائر الأقران وقد تخرج على علامة عصره وعلامة الفضل في مصره حليف التدريس والإفادة علي أفندي محضر باشي زادة) وبالجملة (قد عدا فغدا للأمثال سباقاً وراق ففاق علماء بلده علماً وأخلاقاً) وسألني (جماعة بمحضره دام علاه عما يقوله الشيعة في) إلا تنصروه فقد نصره الله (فقلت راجعوا تفسيري روح المعاني فإني وإن كنت آلوسياً فأنا من مشقة الطريق عاني فأحضرت لهم التفسير ولم أكن حظرت فيه شيئاً من التقرير فرأوا فيه العجب العجاب وقالوا ما وجدنا هذا في غير هذا الكتاب وإن أحببت أن يكون ذلك لديك فاستمع الآن لما نتلوه عليك قد ذكرت في تفسير الآية ما ذكرت وحررت ما حررت ثم قلت فهي لعمري مما يدع الرافضي في جحر ضب أو مهامه قفر فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة قال عاتب الله سبحانه المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم غير أبي بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ الا تنصروه الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال عاتب الله تعالى جميع أهل الأرض غير أبي بكر فقال إلا تنصروه الآية. وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ أن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال إلا تنصروه فقد نصره الله الخ. وفيها النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة سواه وكونه المراد من الصاحب ما وقع عليه الإجماع ككون المراد من العبد بقوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده رسول الله ﷺ ومن هنا قالوا إن إنكار صحبته كفر مع ما تضمنته من تسلية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له بقوله لا تحزن وتعليل ذلك بمعية الله تعالى الخاصة المفادة بقوله أن الله معنا ولم يثبت مثل ذلك في غيره بل لم يثبت لنبي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكأن في ذلك إشارةً إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي إنزال السكينة عليه بناءً على عود الضمير إليه مما يفيد السكينة في أنه هو هو رضي الله تعالى عنه ولعن بأغضيه وكذا في إنزالها على الرسول ﷺ مع أن المنزعج صاحبه ما يرشد للمنصف إلى أنهما كالشخص الواحد وظهر من ذلك إشارة ما ذكر أن الحزن كان لرسول الله ﷺ ويشهد لذلك ما مر في حديث الشيخين وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله تعالى عنه قالوا أن الدال على الفضل إن كان) ثاني اثنين (فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متمماً للعدد) وإن كان إذ هما في الغار (فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان وكثيراً ما يجتمع فيه الصالح والطالح وإن كان) لصاحبه (فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى) قال لصاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك (وقوله) وما صاحبكم بمجنون (و) يا صاحبي السجن (بل قد تكون بين من يعقل وغيره كقوله:

إن الحمار مع الحمير مطيةوإذا خلوت به فبئس الصاحب

وإن كان) لا تحزن (فيقال لا يخلو أما أن يكون الحزن طاعة أو معصية لا جائز أن يكون طاعة وإلا لما نهى عنه ﷺ فتعين أن يكون معصية لمكان النهي وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه) وإن كان إن الله معنا (فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له ﷺ وحده لكن أتى بنا سداً لباب ألا يحاش ونظير ذلك الإتيان بأوفى قوله تعالى) وإنا وإياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين (وإن كان) فأنزل الله سكينته عليه (فالضمير فيه للنبي ﷺ لئلا يلزم تفكيك الضمائر وحينئذ يكون في تخصيصه عليه الصلوة والسلام بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله) فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (إشارة إلى ضد ما ادعيتموه. وإن كان ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت فهو عليه الصلوة والسلام لم يخرجه معه إلا حذراً من كيده لو بقي مع المشركين بمكة وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنتكلم عليه انتهى كلامهم) ولعمري (أنه أشبه شيء بهذيان المحموم أو عربدة السكران ولولا أن الله سبحانه حكى في كتابه الجليل عن اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فماً أو نجري في ميدان تزييفه قلماً) لكني لذلك أقول (لا يخفى أن ثاني اثنين وكذا إذ هما في الغار إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقاً ومعونة المقام أظهر من نار على علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانياً باختياره لآخر ولا معه في مكان إذا فرض عدو ما لم يكن معولاً عليه ومتحققاً صدقه لديه لا سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضاً حلت فيه قوابله وحلت عنه بها تمائمه وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقتصر فيه الخطا) ومما (يدل على فضل تلك الاثنينية قوله ﷺ مسكناً جاش أبي بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعي لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضاً فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله) وإن (لا تحزن ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها) وما ذكروه (من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون ﵉ لا تخافا إنني معكما (وكذا في قوله سبحانه للنبي ﷺ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً (إلى غير ذلك افترى أن الله سبحانه نهى عن طاعة أو أن أحداً من أولئك المعصومين ﵈ ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه أنه قد يكون مورداً للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فإنه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه من ارتكاب الباطل ما فيه) فإإنا (لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه هارون ﵉ فما ظنك بالحزن وليس حزن الصديق بأعظم من الاختفاء بالغار ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله تعالى عليه وسلم ومن أنصف رأي أن تسليته عليه الصلوة والسلام لأبي بكر بقوله لا تحزن كما سلاه بقوله) لا يحزنك قولهم (مشيرة إلى أن الصديق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلوة والسلام بمنزلته عنه ربه جل شأنه فهو حبيب له تعالى بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه ﷺ كان نفس الخطاب بلا تحزن كافياً في الدلالة على أنه رضي الله تعالى عنه حبيب رسول الله ﷺ وإلا فكيف تكون محاورة الأحباء وهذا ظاهر إلا عند الأعداء. وما ذكر من أن المعية الخاصة كانت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحده والإتيان بنا لسد باب الإيحاش من باب المكابرة الصرفة كما يدل عليه الخبر المار آنفاً على أنه إذا كان إشفاقاً على

رسول الله ﷺ لا غير فأي إيحاش في قوله لا تحزن إن الله معي وإن كان إشفاقاً على الرسول وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له) ولو سلمنا (الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلاً واضحاً على مدح الصديق رضي الله تعالى عنه) وإن كان (على نفسه فقد كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلاً وأي معنى لقولك لا تحزن على نفسك إن الله معي لا معك) على أنه (يقال للرافضي هل فهم الصديق من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير بنا كان سداً لباب الإيحاش أم لا. فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو وقد فهم من إشاراته ﷺ من حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتى على علي كرم الله وجهه فاستغربوا بكاءه ﵁ يومئذ. وما ذكر من التنظير في الآية مشير إلى التقية التي اتخذتها الرافضة ديناً وحرفوا لها الكلم عن مواضعها وقد أسلفنا لك الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكره. وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه. وكون التخصيص مشيراً إلى إخراج الصديق رضي الله تعالى عنه عن زمرة المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله ﷺ لو كان ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير كرم الله وجهه فكيف مكنوه من الخلافة التي هي أخت النبوة عند الشيعة وهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم وكون الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة والأمير كان مستضعفاً فيما بينهم أو مأموراً بالسكوت وغمد السيف إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوى بساط رده وعاد شذر مذر فلا حاجة إلى إتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه. وما ذكر من أن رسول الله ﷺ لم يخرجه إلا حذراً من كيده. فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على إخراجه له أصلاً فضلاً عن كون ذلك حذراً من الكيد على أن الحذر لو كان في معيته له ﷺ وأي فرصة تكون مثل الفرصة التي حصلت حين جاء الطلب لباب الغار فلو كان عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وحاشاه أدنى ما يقال لقال هلموا فهاهنا الغرض. ولا يقال أنه خاف على نفسه أيضاً لأنه يمكنه أن يخلصها منهم بأمور ولا أقل من أن يقول لهم خرجت لهذه المكيدة. وأيضاً لو كان الصديق كما يزعم الزنديق فأي شيء يمنعه من أن يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن نهيرة فقد كانوا يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها فيخبر أحدهم الكفار فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه على هذا الزعم يجيء حديث التمكن وهو أقوى شاهد على أنه هو هو. وأيضاً إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ لم يأمره بالبيتوتة على فراشه الشريف ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظناً منهم أنه النبي ﷺ فيستريح منه وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي أن إخراج الصديق إنما كان حذراً من شره. فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب المستهجن عند ذوي الألباب وزعم أن تجهيز الإمام كرم الله تعالى وجهه لهم بشراء الأباعر إشارة إلى ذلك. لا يشير إلى ذلك بوجه من الوجوه على أن ذلك وإن ذكرناه فيما قبل إنما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس والمعول عليه عند المحدثين غير ذلك) ولا بأس (بإيراده تكميلاً للفائدة وتنويراً لفضل الصديق ﵁ فنقول (أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية.) ولما (ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغمار لقيه ابن الدغة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة أين تريد يا أبا بكر فقال أبو

بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي قال ابن الدغنة مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة. فرجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال إن أبا بكر لا يخرج مثل ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلوة والقراءة في غير داره ففعل) ثم (بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ ويتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلاً بكاءاً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وأنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن بالصلوة والقراءة وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نحتقرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال يا أبا بكر قد علمت الذي عقد لك عليه فأما أن تقتصر على ذلك وأما أن ترد إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له. فقال أبو بكر إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى وجوار رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ورسول الله ﷺ بمكة يومئذ قال للمسلمين قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما جرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة من المسلمين. وتجهز أبو بكر مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ مقبلاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله ﷺ فأستأذن من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ فإنه قد أذن لي بالخروج فقال أبو بكر فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله نعم فقال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله ﷺ بالثمن. قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق. ولحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحراً فيصبح مع قريش بمكة كبات فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بها عامر في غلس يفعل ذلك كل ليلة من الليالي إلى الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ رجلاً من الذئل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فآمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فأخذ بهم طريق إذ أخر وهو طريق الساحل الحديث بطوله. وفيه من الدلالة على فضل الصديق ما فيه وهو نص في أن تجهيزهما في بيت أبي بكر وأن الراحلتين كانتا له وذكر أن رسول الله ﷺ لم يقبل أحدهما إلا بالثمن يرد على الرافضي زعم تهمة الصديقة وحاشاها في الحديث هذا. ومن أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه ناش عن محض الجهل أو العناد) ومن يضلل الله فما له من هاد (

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.