من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
١٦ آب - أغسطس ١٨٨٩
بارحت برلين صباح يوم ١٨ ذي الحجة سنة ١٣٠٦ هجرية الموافق ١٦ أغسطس سنة ١٨٨٩ ميلادية قاصداً مدينة كلونيا في قطار يطير في الأقطار، وقد بلَّت أجنحتَه الأمطار، ولم يزل يعرض علينا البلاد والقرى، وأنا أتصفح بعض الكتب لأطلع على مالها من الأهمية مادياً وأدبياً. حتى إذا كان وقت الظهيرة حط
رحاله في مدينة هنوفر فنزلت ملتمساً مشاهدة منظرها، فإذا هي بلدة متّسقة الشوارع متسعتها، وقد كانت عاصمة المملكة المسمّاة باسمها، وفي سنة ١٨٦٦ ميلادية استولت عليها مملكة البروسيا وجعلتها ضمن ولاياتها قبيل الحرب البروسيانية النمساوية كما شرحت ذلك في الجزء الثامن من رحلتنا البرلينية، ثم هي الآن عاصمة تلك الولاية ومنطق أهلها باللغة الألمانية أفصح ممن عداهم، وذلك في إعطاء الحروف حقَّ مخارجها كما هو مشهور، ورأيته بتتبعي لكلامهم.
ولما صاح القطار بنعيرته وأعلن بالرحيل نزلت العربة فإذا أنا فيها وحيد، ولم أشعر إلا وقد انفتح باب العربة فرأيت شاباً وشابة كأنهما القمر والشمس يودِّعان أهلهما وأصحابهما، وقد أخذ الجميع في التقبيل والعناق، وتلاوة كلمات الفراق، ثم أقبلا علي يتهلَّلان فرحاً وسروراً، فألقيا السلام، فرحبت بهما، وشرفت من شأنهما، حتى إذا استقر بهما المجلس، وسار الوابور أخذا يتغازلان. وقد جرى بينهما سر الهوى، وباحت عيونهما بالجوى، فرقَّ لرقتهما قلبي، وهام بشأنهما لُبِّي وبعد لُحيظات لحظاني بعيونهما، حتى إذا علما أني غريب عن جنسهما ظنا أني لم أعرف لغتهما، فقالت فرنساوي؟ وقال بل روسي؟ إسبانيولي؟ بل إيطالياني؟ يوناني؟ بل تركي؟ فعند ذلك أخذني الضحك، فشعرا
بذلك، وطلبا مني العفو، وتجاذبنا من وقتئذ أطراف الحديث. وعلمت من حديثهما أنهما قد تقارنا قريباً
بعدما أنحلهما الغرام، وهالهما الهُيام، وقد أخذا في سفر الزواج كما هي عادة الألمانيين. وإليك شرحها اختصاراً، فأقول:
لما كان التزوج في البلاد الألمانية عسير الحصول بالنسبة لكثرة عدد الإناث وقلّة غنى الذكور، التزمت الآباء بإعطاء كامل الحرية لبناتهم متى بلغن ١٨ سنة من عمرهن، فيتركونهن في المجتمعات والمحافل يتسامرن، ويتداعبن، ويلعبن، ويرقصن مع الشبان إلى غير ذلك، فربما علق أحدهم بإحداهن وهي به، فيخرجان، وقد ثارت نيران الحب في أحشائهما، ويكون ذلك لهما موضوعاً للمراسلات العشقية، ويتراسلان، ويتواعدان ليتفسح معها في المنتزهات أوقات الفضا، ويكون مصاحباً لها أشهراً، وربما أعواماً تحت مراقبة الآباء أو أولياء شأنهما، ويسمون تلك المدة بمدة التجربة، ويستمران على ذلك حتى إذا لم يجدا مانعاً في الأثناء، وألفيا أن لا مناص من الاقتران عرضا خطبتهما على الآباء فإذا رضوا، ولم يكن ثم مانع، احتفلوا لزواجهما ليلة أو ليلتين، ثم يسافران معاً ليشتد وثوقهما، ويشد بعضهما أزر البعض تمكيناً للألفة والمحبة، وإلا فمتى حصل عائق وتفاقم غرامهما ورأيا أن لا محيد عن الفراق، فالناس في هذه
الحالة مختلفون: فمنهم من يتصبر ويتسلى، ويصادم جيش الهوى حتى يأتيه السُّلوان، ومنهم من يزيد قلبه اشتعالاً ويهيجه الغرام، فيصبح صريع الموت وحشواً للقبور بمخاطرته بنفسه. وأغلب هذا القسم هم العوام، لا سيما إذا أضناهم شظف العيش، وأخذت عليهم يد الفقر، وكذلك بعض من متوسطي الناس وأشرافهم، فترى الجرائد أحياناً ممتلئة بذكر أسماء الشبان والبنات الذين خاطروا بنفسهم نعوذ بالله من تلك الفعلة التي هي في الحقيقة حِطة في التمدن الإنساني، وثَلم لما عليه قارة أوروبا من كمال الإنسانية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع