من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
برج القط وبرج الفأر
ثم بارحناها فجعلت أنظر القوم وقد لعبت بعقولهم الراح، وانتعشت منهم الأرواح، يضحكهم أقل عبارة، ويطربهم أدنى إشارة، فما رأيت، حتى عجبت لأعاجيب الصهباء، وفعلها بألباب العقلاء. أما الجهات التي مررنا عليها فليس لذكرها كبير فائدة، إلى أن وصلنا إلى مصب نهر يقال له لان في الجهة الشرقية لنهر الرين. وبعد هنيهة مررنا على قرية تدعى رنكتجوار، وشاهدت بها من بعد برجين بينهما مسافة بعيدة، يسمى أحدهما برج القط، والآخر برج الفار، وكانا قديماً مسكونين بقوم يدعونهم بالفوارس اللصوص، وذلك أنهم كانوا يتربصون للقوافل التجارية، ويطلبون منهم رسوماً على البضائع. ومما يحكى عنهم أنه كثيراً ما تشاجر أهل ذينك البرجين، وكانت الغلبة دائماً لبرج الفار، وإن كان ذلك خارقاً لناموس العادة والطبيعة.
ثم أشرفنا على جبل شاهق صخري وبينما كنا بحذائه إذ سمعنا صوتاً مزعجاً اضطربت له الأعصاب واقشعرت له الأبدان، وإذا به صوت مدفع أطلق بهذا الجبل تشريفاً للباخرة، وإدخالاً للسرور على السياحين بسماع صدى ذلك الصوت في مهاوي ذلك
الجبل ومغاراته، وبعدما علمنا ذلك دخلنا الاستغراب من قوة هذه الظاهرة الطبيعية.
وهذا الجبل يدعونه جبل لورلاي وذلك أنهم كانوا يزعمون أن امرأة ساحرة تسمى
لورلاي كانت تسكن مغارة به، وأنها كانت جميلة ذات شعر أصفر طويل، وكانت تجلس على الشاطئ فتسرح شعرها بمشط من ذهب، ثم تأخذ عوداً فتنقر عليه، وتغني، فإذا مرَّ عليها الملاحون يطربهم غناؤها، ويغشى عليهم فيغرقون، وأنها لمحت ذات يوم أحد الملاحين فكلفت به وعشقته، ثم راودته مراراً عن المجيء إليها والتزوج بها فأبى خوفاً منها، ولما طال عليها الأمد واشتدَّ غرامُها، رمت بنفسها إلى النهر فماتت. وهذه الحكاية مشهورة لدى الألمانيين كثيراً حتى إنهم صاغوها في أدوار شعرية، يوقعون عليها الألحان الموسيقية، في محافل الأغاني، ويغني بها أيضاً الرجال والنساء في المجتمعات الخصوصية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع