تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)

توديع الراين

ومذ ابيضَّ جناحُ الأفق عنَّ لي أن أشاهد مكاتب تلك القرية ومدارسها، فخرجت بعدما علمت مواضعها حتى إذا دخلت أشهرها قابلني ناظرها، وقد قدمت له تذكرة زيارتي، ثم أخذ بيدي يعرض علي فصلاً فصلاً، فألفيت التعليم حميد الطريقة، وإن كانت أدوات التعليم بسيطة، وأغلب الأطفال بنات وصبياناً حفاة، ليسوا بنظيفي الملابس، كما تدعو إليه معيشة أهل القرى، أما الفنون المقروءة بها فهي القراءة، والكتابة، والحساب، وجغرافية ألمانيا وفلسطين، والقواعد الدينية. وباطلاعي على الكتب المعدة للتدريس وجدتها آخذة طريقة طبيعية سهلة المأخذ، لا سيما كتب تعليم المطالعة لاشتمالها على تراجم بعض ملوك ألمانيا ومشاهير أمرائها مع الاختصار وبساطة الألفاظ وانسجام الأسلوب، ثم خرجت من بين أيديهم

شاكراً لناظرهم على ما أولاني من جميله، وسرت الهوينا في طرق تلك القرية فشِمتها صغيرة، وتسمى كما علمت رودسيهم موضوعة على الجهة الغربية لنهر الرين صانعة عليه قوساً منحدراً من جبيلها المسمى نيدرفال المشغول بالكروم، وسكانها ٤٠٠٠ نفس، وهي مشهورة قديماً وحديثاً بنبيذها الأبيض والأصفر، يأتيها الغرباء كثيراً مدة الصيف لتغيير الهواء بها، ومشاهدة تمثال جرمانيا المذكور آنفاً، وأهلها ما بين زارع للأعناب وصانع.

وفي مساء ذلك اليوم شرفني ناظر المدرسة المتقدم ذكرها وبصحبته خمسة من أصحابه ما بين نظار لمدارس أخرى ومعلمين، فرأيت ذلك كمال عناية منهم، ورحبت بهم، وعظَّمت من مكانهم، وقضينا المساء نتفاوض في حديث المدارس

والتدريس، ثم ودعوني وأنا أتلو لهم كلمات التشكر والممنونية، ومن جملة ما تجاذبنا فيه الكلام أني عرضت عليهم سؤالاً كنت شغوفاً بمعرفة جوابه قائلاً كيف ترى الآباء في تلك البلاد والقرى أمر إلزامهم بإرسال أولادهم إلى المدرسة وتعلمهم؟ فرددوا كلمات التأوه مما يلقونه من إباء الآباء، وضجرهم من الأخذ على أيديهم، حيث لا مطمح لنظرهم إلى الحاجيات لا الكماليات، والمعيشة لديهم متوفرة بدون أخذهم بالتعليم، فقلت

لهم هذا موضوع طالما أجلت فيه الفكر، أثبت تارة وأمحو طوراً، حتى بانت لي واضحة الطريق. فرأيت ضرورة تعميم التعليم في مدن وقرى دولة يرام صلاحها. ومعلوم أن الدولة مجموع أفراد، متى كانوا جهالاً رموا بها في مهاوي الجهالة، ومتى كان البعض عارفاً، والبعض الآخر جاهلاً ضر، وأبطأ جهل البعض من نتائج معرفة الآخر، وإن كان ذلك الضرر كميناً لا يلحظ إلا بدقة النظر في الأحوال العمومية والخصوصية، وإليكم مثلاً لاحظته بقريتكم هذه، وذلك أني أرى في أغلب الطرق قوائم ملصقاً عليها الإعلانات، وتحذيرات من الضابطة موضوعها أمر الأهالي بحفظ النظام وما أشبه ذلك، فلو كان الأهالي أميين لا يعرفون القراءة لالتزمت الضابطة أن تصرف، وقتاً بعد آخر، إنسان يصيح بنعيرته في الأزقة والطرق، يبلغهم الأوامر فيحرك من سكونهم ويكدر من راحتهم، وفضلاً عن أنهم لا يفهمون، أو يفهمون ويستهزئون، يداخلهم الرعب شيئاً فشيئاً بتوالي التبليغ حتى يحط من قوة جأشهم، ويكسبهم صفة الجبن، فيصيروا هم والأغنام سواء، يحتاجون إلى راعٍ يهش عليهم بعصا القوة يحفظ من مجتمعهم، وأما الآن فما عليهم إلا أن يرفعوا أبصارهم ويطالعوا الأوامر، ولهم شغف بمضمونها، ثم يسير عنها بدون أن تهيج لها خواطرهم، على أنها تبقى لديهم نصب أعينهم أية

طريق ساروا بها. فكيف ترون سادتي فائدة هذا المبلغ الصامت الجالب لانقيادهم بأدنى سهولة؟ ولو نظرنا نظر تبصر إلى كثير

من مثل تلك الأحوال الاجتماعية لعلمنا حكم وجوب تعميم التعليم في المدن والقرى.

هذا ولما أدبرت عساكر الليل، وأقبل النهار براياته بارحت تلك البلدة بطريق البر مودعاً شواطئ نهر الرين، ولي شغف بجميل مناظرها، ومحاسن مواقعها.

أما سكان تلك الشواطئ فشمتهم سميحي الأخلاق، بشوشي الوجوه ملاطفين، يغلب عليهم بعض الطيش وخفّة الحركة، ولغتهم - كما لا يخفى - ألمانية، ولكن لهم لهجة مخصوصة تخالف اللهجة البرلينيّة، فتراهم يلفظون الألفاظ ملء أفواههم مع التفخيم، وتطويل بعض المقاطع والإسراع في أخرى، ولذلك كنت شغوفاً بكثرة التكلم معهم، وسماع ألفاظهم التي كادت أحياناً تميلني ضحكاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإنطلاق من برلين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.