تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)

معمل كروب للمدافع

وفي وقت العصر لاحت لنا عن اليمين وعن الشمال القرى والبلدان التي منها ثروة ألمانيا، لاشتمالها على كهوف الفحم الحجري المعدني الذي يجلب بسواده الأبيض والأصفر، وقد عبق دخان المعامل التي بها. وبعد هنيهة مررنا بضواحي مدينة يقال لها أسن وإذا بالأرض كأنها تقشعر، وشمنا سحائب الدخان قد ملأت الجو، وصوت المطارق يرعد عن اليسار، ويمثله الصدى عن اليمين، فهالني ذلك، وسألت عما هنالك؟ فإذا هو معمل كروب الشهير بعمل المدافع التي عمَّ

صيتها وصوتها، وهو معمل أنشأه رجل ألماني يدعى كروب سنة ١٨١٠ ميلادية، وهو الآن تحت يد ذريته، وبه ١٠. ٠٠٠ عامل قد اتخذوا حوله مساكنهم، وسمعت أن به مطرقة ثقلها ١٠٠٠ قنطار ترتفع وتنخفض بالآلات البخارية.

وحينما بارحنا تلك الجهة، وفتحت التذكرة لأرقم ما شاهدته التفت إلي رجل مسن هولندي يتكلم باللغة الألمانية، وقال متبسماً: ألا كتبت أيضاً أن صوت المطارق تنادي وتؤذن بالدمار!

فقلت له وإذ علمت مراده: لماذا؟

فقال: أنرى الراحة في الدنيا، وفي الممالك معامل مثل هذا، والحرب الحرب، هي الدمار بعينه ومَخْدَشة لوجه الأمان، وراحة الاجتماع!

فقلت له: أيها الأديب، إن هذا الموضوع حرج صعب المسالك،

قد أَضْرَمَتْ فيه نيرانَ الجدالِ السلفُ، واشتغلت بحديثه الخلفُ، وإني أعضد رأيك ومذهبك، ولكن ذلك إذا نُزع من نفوس الأمم حب الاستئثار والفخار.

فقال: ذلك أشكو، لقد كانت الحرب قديماً لإقامة الأديان، وأما الآن فهي لحب الفخار.. الآن الآن وقد ضرب التمدن بجرانه في أنحاء البسيطة.

فأجبته قائلاً: نعم أنت ومذهبُك. وما علينا إلا أن نبتهل إليه سبحانه بأن يوطد دعائم الصلاح حتى تكون الأرض منزلاً واحداً لعائلة واحدة يقتسمون السرور فيما بينهم، فما ذلك عليه بعزيز.

وبينما نحن بذلك الحديث وإذا بالوابور قد حطَّ رحله في مدينة كلونيا فودعته من حينئذ ونزلت بها وقد شاب النهار وأقبل شباب الليل، فبتُّ بها ليلتئذ حتى إذا كشفت الشمس قناعها، والجو صافٍ لم يطرَّز ثوبُه بعلم الغمام، نزلت قاصداً أول ما يحرك إليه الغريب قدمه ألا وهي كنيستها الكبرى التي اشتهرت بحسن موقعها وجمال صنعها، وريثما طوحت إليها النظر أرتني منها بناء شاهقاً، وجبلاً سامقاً،

تكاد ببرجيها تنطح ثور السماء، ذروتها تخالها للعقرب لسعاء، فدخلتها ضمن الداخلين أمثالي المتفرجين، فما درينا ألاتساع رحباتها نهشُّ، أم لارتفاع دعائمها نُدهش؟ ثم أردنا أن نتسنم سماوتها، ونرتقي ذروتها، فعلونا يقدمنا الدليل لكيلا تشكل علينا السبيل، ومازلنا

نصعد درجات، ونسلك معاطف ووهدات، حتى إذا علونا ذروتها ورقينا قمتها لاحت لنا عجائب المناظر، وقد انتعش لرؤيتها الخاطر، ثم هبطنا إلى المنزل الأول والمكان السواء، وحدَّثنا من في الأرض، وأستغفر الله، بأخبار السماء.

وبالجملة فلقد قام بناؤها دليلاً على ما صنعت يد الإنسان ناطقاً بلسان الحال والجنان:

تلك آثارنا تدلُّ علينافانظروا بعدنا إلى الآثار

ثم إن هذه الكنيسة كاثوليكية أمر بتأسيسها المطران كونرا دفن هوخ ستادن سنة ١٢٤٨ ميلادية، ولكن لم يتم بناؤها في أيامه بل حصلت فترات بعد ذلك، فكانوا وقتا يقيمون منها وآخر يعرضون عنها إلى سنة ١٨٤٠، وفيها أمر بإتمامها ملك البروسيا فريدريك فيلهلم الرابع حتى أخذت كمالها في سنة ١٨٨٠م، وارتفاع برجيها ١٥٦ متراً فوق سطح الأرض، وقد كانا أعلى بنيان في أوروبا إلى أن شيد صرح أيفل في باريس الذي ارتفاعه ٣٠٠ متر.

وقد أخبرني بعض علماء الألمانيين وأدبائهم، وكان يتفرج معنا، أن الدراهم التي صرفت في بناء تلك الكنيسة هي ربح القمار، وذلك أن كثيراً من الشركات قد فرضت مقداراً من

الدراهم لمن أراد اللعب، وثلث المجموع يأخذه من تخرج له القرعة، والثلثان الباقيان يُصرفان في البناء. وحينما سمعت ذلك منه قلت له:

كيف تؤسسون بيت العبادة بدراهم هي الحرام بعينه؟

فالتفت إليَّ، وقد ضمَّ كتفيه، ثم أرسلهما قائلا هذه الجملة:

فحينما طرقت مسمعي أخذني الضحك حتى كدت أستلقي، وذلك أن هذه الجملة مثل مشهور بأوروبا وهو لاتيني اللفظ، ومعناه الربح ليس له رائحة. ومصدر ذلك المثل أن أحد قياصرة الرومانيين ضرب رسوماً وعوائد على كل محل يطمئن إليه الإنسان سواء في المنازل والطرقات، فقيل له في ذلك فقال:

الربح ليس له رائحة. فذهبت مثلاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإنطلاق من برلين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.