تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الجاروخية

اخبر عَنْهَا النعيمي وَغَيره بِأَنَّهَا كَانَت دَاخل بَابي الْفرج والفراديس لصيقة الاقبالية الْحَنَفِيَّة شمَالي الْجَامِع الْأمَوِي والظاهرية الجوانية أَنْشَأَهَا سيف الدّين جاروخ التركماني للعلامة أبي الْقَاسِم مَحْمُود بن الْمُبَارك بن عَليّ بن الْمُبَارك الْمَعْرُوف بالمجير الوَاسِطِيّ الْبَغْدَادِيّ فدرس بهَا مُدَّة ثمَّ درس بهَا بعده جماعات من الأفاضل وَالَّذِي يفهم من تراجم مدرسيها أَنَّهَا اقدم من الْمدرسَة الباذرائية لَان نجم الدّين الباذرائي من جملَة من درس بهَا وَبقيت منهلا لطلاب الْعلم إِلَى أَن سطت عَلَيْهَا أَيدي المختلسين فَجعلت دورا للسُّكْنَى وَلم يبْق لَهَا رسم وَلَا طلل سوى حِجَارَة يسيرَة فِي أساس جدارها

تَرْجَمَة المجير الوَاسِطِيّ ألخص هُنَا تَرْجَمَة الوَاسِطِيّ الَّذِي بنيت هَذِه الْمدرسَة لَهُ ليعلم الْوَاقِف على كتَابنَا كَيفَ كَانَ اعتناء الْأُمَرَاء والأغنياء بِالْعلمِ وَالْعُلَمَاء الْمُحَقِّقين وَكَيف كَانُوا يُنْفقُونَ الْأَمْوَال فِي سَبِيل ترقي الْعلم ونصرة الدّين فَأَقُول

حكى الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات الْوُسْطَى أَن المجير الو اسطي برع فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فروعا وَخِلَافًا واشتغل بالأصول وَالْكَلَام حَتَّى صَار من أحد الْأَئِمَّة فيهمَا وَقَالَ ابْن النجار برع المترجم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْخلاف والجدل وَعلم الْكَلَام والمنطق حَتَّى صَار شيخ وقته وعلامة عصره يَقْصِدهُ الطّلبَة من جَمِيع الْجِهَات وصنفت كتبا كَثِيرَة فِي الْأُصُول والجدل وَغَيرهمَا وَأعَاد بالنظامية بِبَغْدَاد وَهُوَ شَاب ثمَّ سَافر إِلَى دمشق فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يدرس فِي عدَّة مَوَاضِع ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَخرج إِلَى بِلَاد فَارس فَنزل شيراز فَأَقَامَ مُدَّة يدرس ثمَّ انقل إِلَى عَسْكَر مكرم فَبنى لَهُ أميرهامدرسة فدرس بِهِ سِنِين ثمَّ قدم وَاسِط فنشر الْعلم بهَا ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَتَوَلَّى تدريس الْمدرسَة النظامية ثمَّ ندب إِلَى الْخُرُوج فِي رِسَالَة إِلَى خوارزم شاه سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَلَمَّا انْتهى إِلَى همذان مرض مَرضا شَدِيدا فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن توفّي فِي السّنة الْمَذْكُورَة

وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر كَانَ المترجم أحد الْعلمَاء الأذكياء والمحررين لمَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي وَكَانَ فصيحا بليغا بنيت لأَجله الْمدرسَة الجاروخية فِي دمشق

وَقَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة وَقد نشر فِي دمشق علم الطِّبّ غير الْعُلُوم الَّتِي نشرها أَيْضا قَالَ وَكَانَ احذق أهل زَمَانه مَعَ سُكُون ظَاهر وَقلة انزعاج

وَقَالَ أبن الديتني تفرد بِمَعْرِِفَة الْأُصُول وَالْكَلَام وَمَا رَأينَا اجْمَعْ لفنون الْعلم مِنْهُ مَعَ حسن الْعِبَادَة

قَالَ فِي العبر وَكَانَ طَويلا جسدا غواصا على الْمعَانِي اهـ

وَالَّذِي يظْهر أَن بِنَاء الجاروخية كَانَ فِي حُدُود التسعين وَخَمْسمِائة

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.