من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة التقوية
روى مترجمها أَنَّهَا كَانَت دَاخل بَاب الفراديس وَهُوَ الْبَاب الْحَدِيد الَّذِي هُوَ بسوق الْعِمَارَة وَهِي شمَالي الْجَامِع شَرْقي الظَّاهِرِيَّة والاقباليتين وَكَانَ لَهَا أوقاف كَثِيرَة حَكَاهُ ابْن كثير فِي تَارِيخه
وَقَالَ الْأَسدي أوقفها السُّلْطَان تَقِيّ الدّين عمر سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة ودرس بهَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الصرخدي الْمُتَوفَّى سنة اثْنَتَيْنِ وستعين وَسَبْعمائة وَكَانَ اجْمَعْ أهل الْبَلَد لفنون الْعلم صنف شرح الْمُخْتَصر فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فِي ثَلَاث مجلدات وَاخْتصرَ إِعْرَاب الْقُرْآن للسفاقسي وَاعْترض عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع وَاخْتصرَ قَوَاعِد العلائي والتمهيد للأسنوي وَاعْترض عَلَيْهِمَا وَاخْتصرَ الْمُهِمَّات وَقد احترقت غَالب مصنفاته فِي الْفِتْنَة قبل تبييضها وَكَانَ فَقِيرا ذَا عِيَال
وَقَالَ العلموي درس بهَا قَاضِي الْقُضَاة مُحي الدّين البرزي ثمَّ مُحي الدّين بن زكي الدّين ثمَّ درس بهَا نَحْو خَمْسَة عشر نفسا آخِرهم السَّيِّد كَمَال الدّين ثمَّ جماعات أروام وأعجام ثمَّ تخَلّل بَينهم القَاضِي زين الدّين مَعْرُوف لما تحنف ثمَّ تخللت الاورام ثمَّ الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن عماد الدّين ثمَّ بعده الشَّيْخ بدر الدّين بن رَضِي الدّين الْغَزِّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَالظَّاهِر أَن أَيدي المختلسين تلاعبت بهَا بعد الْألف فَمَا زَالُوا يبتلعونها كَغَيْرِهَا من الْمدَارِس هِيَ وأوقافها شَيْئا فَشَيْئًا وَهِي تنشد قَول المعري
منَازِل الْمجد من سكانها دثرقد غيرتهم صروف بالفتى عسر
هَب الدّيانَة لَا ترعى فمالهمحق الْمُرُوءَة لَا يرعوا وان كَثُرُوا
لَا يجلبون لضيف طَارق غمراإِلَّا وَثمّ نفوس للقرى خثروا
انحن افضل أم أَشْيَاء جامدةأضحت لَدَيْهَا الْعين والأثر
إِلَى أَن أضحت فِي زَمَاننَا هَذَا دَارا للسُّكْنَى يسكنهَا جمَاعَة من بني التغلبي ومحلها الْآن الأن بزقاق السَّبع طوالع من ثمن الْعِمَارَة وملاكها الْآن يُقِيمُونَ بهَا فِي الساحة البرانية مِنْهَا حفلة للأذكار على الطَّرِيقَة الشيبانية كل لَيْلَة جُمُعَة من الْأَشْهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان
تَرْجَمَة واقفها بناها الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب وَبنى بِمصْر أَيْضا الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بمنازل الْعِزّ قَالَ ابْن كثير وَله بحماة مدرسة هائلة ولد سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ بطلا شجاعا لَهُ مَوَاقِف مَشْهُورَة فِي قتال الإفرنج مَعَ عَمه صَلَاح الدّين وَكَانَ يُحِبهُ وَهُوَ الَّذِي أعطَاهُ حماة وَقد استنابه بِمصْر مُدَّة وَأَعْطَاهُ المعرة والسليمية وَكفر طَابَ وميافارقين واللاذقية وجبلة ثمَّ أعطَاهُ حران والرها فَسَار إِلَى تِلْكَ الْبلدَانِ فِي سَبْعمِائة فَارس وَكَانَ عالي الهمة فقصد مَدِينَة جابي فحاصرها وافتتحها فَلَمَّا سمع بكتمر صَاحب أخلاط بِهِ سَار لقتاله فِي أَرْبَعَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة فَارس والتقوا فَلم تثبت عَسَاكِر أخلاط وانهزموا فَتَبِعهُمْ المظفر واخذ قلعة بكتمر ونازل أخلاط وحاصرها فَلم ينل مِنْهَا غَرضا لقلَّة عسكره وَفِي الْقسم الأول من هَذَا الْكتاب مَا يكون ابْسُطْ من هَذَا
قَالَ ابْن وَاصل كَانَ المظفر عمر شجاعا جوادا شَدِيد الْبَأْس عَظِيم الهيبة وَكَانَ من أَرْكَان الْبَيْت الأيوبي وَكَانَ عِنْده فضل وأدب وَله شعر حسن أُصِيب السُّلْطَان صَلَاح الدّين بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ من اعظم أعوانه على الشدائد قَالَ فِي مرْآة الزَّمَان وَله ديوَان شعر وَمن شعره قَوْله
أرى قوما حفظت لَهُم عهودافخانوني وَلم يرعوا حفاظا
لَهُم عِنْدِي مُحَافظَة فألفىلَهُم خلقا وأفئدة غلاظا
وَقَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه كَانَ الْملك المظفر شجاعا مقداما منصورا فِي الحروب مؤيدا فِي الوقائع ومواقعه مَشْهُورَة مَعَ الفرنجة وَكَانَت لَهُ آثَار فِي المصافات دلّت عَلَيْهَا التواريخ وَله فِي أَبْوَاب الْبر كل حَسَنَة مِنْهَا مدرسة منَازِل الْعِزّ الَّتِي بِمصْر وَيُقَال أَنَّهَا كَانَت دَار سكنه فَوقف عَلَيْهَا وَقفا كثيرا وَجعلهَا مدرسة وَكَانَت الفيوم وبلادها اقطاعا لَهُ وَله بِهِ مدرستان شافعية وحنفية عَلَيْهِمَا وقف جيد أَيْضا وَبنى بِمَدِينَة الرها مدرسة لما كَانَ صَاحب الْبِلَاد الشرقية وَكَانَ كثير الْإِحْسَان إِلَى الْعلمَاء والفقراء وأرباب الْخَيْر وناب عَن عَمه صَلَاح الدّين فِي الديار المصرية فِي بعض غيباته عَنْهَا فان الْملك الْعَادِل كَانَ نَائِبا عَن أَخِيه صَلَاح الدّين فِي مصر فَلَمَّا حاصر الكرك سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة فِي رَجَب طلب أَخَاهُ من مصر بالعساكر وسير إِلَيْهَا تَقِيّ الدّين تَقِيّ الدّين نَائِبا عَنهُ ثمَّ استدعاه إِلَيْهِ بِالشَّام وَولى الديار المصرية لوَلَده الْملك الْعَزِيز عُثْمَان وَمَعَهُ الْملك الْعَادِل فشق ذَلِك على تَقِيّ الدّين وعزم على دُخُول بِلَاد الْمغرب ليفتحها فقبح عَلَيْهِ أَصْحَابه ذَلِك فامتثل قَول عَمه صَلَاح الدّين وَسَار إِلَى خدمته فَخرج السُّلْطَان فالتقاه بمرج الصفر واجتمعا هُنَالك فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَفَرح بِهِ وَأَعْطَاهُ حماه فَتوجه إِلَيْهَا ثمَّ توجه إِلَى قلعة منازكرد من نواحي خلاط ليأخذها فحاصرها مُدَّة ثمَّ توفّي عَنْهَا تَاسِع عشر شهر رَمَضَان من سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَقيل توفّي مَا بَين خلاط وميافارقين وَنقل إِلَى حماة فَدفن بهَا
وَقَالَ فِي الروضتين فِي حوادث السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي السُّلْطَان قد امتدت عينه إِلَى بِلَاد غَيره فاستولى على السويداء وعَلى مَدِينَة حاني وتملك مُعظم الْبِلَاد ثمَّ قصد خلاط فاناخ على منازكرد يحاصرها وَمَعَهُ عَسَاكِر كَثِيرَة فأناخت بجسده الْمنية بِسَبَب مرض اعتراه وَزَاد إِلَى أَن بلغ مِنْهُ المُرَاد وَقَالَ عِنْد الْكَلَام على كسرة الرملة نقلا عَن الْعِمَاد الْكَاتِب فانه قَالَ وَحَيْثُ كَانَت للْملك المظفر تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْغَزْوَة الْيَد الْبَيْضَاء أنشدته قصيدة مِنْهَا
سقى الله الْعرَاق وساكنيهوحياه حَيا الْغَيْث الهتون
وجيرانا أمنت الْجور مِنْهُموَمَا فيهم سوى واف أَمِين
صفوا والدهر ذُو كدر وقدماوفوا بالعهد بالزمن الخؤون
بَنو أَيُّوب زانوا الْملك مِنْهُمبحلية سؤدد وتقى وَدين
أَسَانِيد مُلُوك اصبحوا خير البرايالخير رعية فِي خير دين
أَسَانِيد السِّيَادَة عَن علاهممعنعنة مصححة الْمُتُون
بَنو أَيُّوب مثل قُرَيْش مجداوَأَنت لَهَا كأنزعها البطين
اخفت الشّرك حَتَّى الذعر مِنْهُميرى قبل الْولادَة فِي الْجَنِين
وَيَوْم الرملة المرهوب بَأْساتركت الشّرك منزعج القطين
وَكنت لعسكر الْإِسْلَام كهفاأَوَى مِنْهُ إِلَى حصن حُصَيْن
وَقد عرف الفونج سطاك لمارَأَوْا آثارها عين الْيَقِين
وَأَنت ثَبت دون الدّين تَحْمِيحماه أَوَان ولى كل دين
أَقُول وَلَا يستبعد قَول الْعِمَاد اخفت الشّرك الْبَيْت لَان الْوَلَد لَهُ حَظّ من أَخْلَاق وَالِده فان كَانَ حِين الوقاع خَائفًا أَو مَسْرُورا أَو غير ذَلِك أثرت حَالَته فِي النُّطْفَة وسرى ذَلِك التَّأْثِير إِلَى الْوَلَد كَمَا يُعلمهُ من حقق ذَلِك الْأَمر ودقق فِيهِ فرحم الله أَرْوَاح أُولَئِكَ الأفاضل الَّذين باعوا نُفُوسهم فِي الْجِهَاد وأنفقوا أَمْوَالهم فِي سَبِيل الْعلم وَأَهله ثمَّ خلف من بعدهمْ خلف نقضوا آثَارهم وغيروها وقلبوا أوضاعها وأكلوا أوقافها وأماتوا الْعلم فأضاعوا الصَّلَوَات وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع