تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

تَنْبِيه واستبصار

إِن النَّاظر فِي كتَابنَا هَذَا رُبمَا يمل من سرد أَسمَاء بعض المدرسين عِنْد الْكَلَام على الْمدَارِس وَلَا يعلم لذَلِك معنى نظرا لتغير الأوضاع وتبدل الزَّمَان وتقلص ظلّ الْعلم

وَأَهله وان شِئْت السَّبَب الْحَامِل على ذَلِك فَاعْلَم انه كَانَ لجَمِيع الْمدَارِس الْمَوْجُودَة فِي هَذَا الْكتاب وَغَيرهَا شَأْن عَظِيم فَمَا من مدرسة إِلَّا وَقد كَانَ بهَا من الطّلبَة المشتغلين بِالْعلمِ لَيْلًا وَنَهَارًا مَا تضيق الْمدرسَة عَن سكناهم لكثرتهم وَبِكُل وَاحِدَة مِنْهَا دَار لنفائس الْكتب وَمثل ذَلِك كَانَ فِي الترب الَّتِي سنذكرها ثمَّ انه كَانَ لكل مدرسة مدرس خصوصي ينتخب من الأفاضل الْكِبَار وَكَانَ لهَؤُلَاء المدرسين مواعيد فَإِذا كَانَ يَوْم ميعاد مدرسة جلس الْمدرس فِي مَوضِع الميعاد وأحدق بِهِ غَالب الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فيذكر مَسْأَلَة وَيَأْخُذ فِي تفصيلها وَبَيَان دلائلها ويشاركه الْعلمَاء فِي الْبَحْث على طَرِيقه فن الجدل وَيتَكَلَّم الْوَاحِد مِنْهُم بِمَا عِنْده وتطول ذيول المناظرة وَيَأْخُذ الْحَنَفِيّ مثلا فِي الِانْتِصَار لقَوْل إِمَامه فيعارضه الشَّافِعِي مدليا بحجته ويشاركهما الْمَالِكِي والحنبلي والظاهري والنحوي والمنطقي والبليغ وَإِذا كَانَ ثمَّ أحد من الْعلمَاء غَرِيبا أَخذ فِي المذاكرة مَعَهم وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى فرَاغ الميعاد ثمَّ ينقلون فِيمَا بعد إِلَى ميعاد ثَان فِي مدرسة ثَانِيَة وحرصا على أَن لَا يغلب الْمدرس على أمره من أحد غَرِيب كَانَ المتميزون فِي الْعلم يَجْلِسُونَ إِلَى يَمِينه وشماله ليكونوا عونا لَهُ إِذا سُئِلَ وَلم يستحضر جَوَابا ثمَّ درست فِي أيامنا تِلْكَ الْعَادة وَلم يبْق سوى بعض من الدُّرُوس هِيَ على مقتضي الرسوم وَصورتهَا أَن يكون الْمدرس قد حفظ كليمات عَن ظهر قلبه فَإِذا كَانَت سَاعَة الميعاد جلس متصدرا وَجلسَ الْعلمَاء والأمراء عَن يَمِينه وشماله افتخارا ثمَّ شرع كالهر يَحْكِي انتفاخا صُورَة الْأسد فَيقْرَأ ذُو صَوت رخيم حزبا من الْقُرْآن ثمَّ يقْرَأ المعيد عبارَة الْكتاب ثمَّ يسْرد الْمدرس مَا كَانَ يحفظه وَلَا سَائل ثمَّ وَلَا مسؤول فَإِذا وجد أحد غَرِيب وَسَأَلَ مَسْأَلَة انتهره الْحَاضِرُونَ وأسكتوه فَهَكَذَا كَانَ شَأْن الْعلم وَهَذَا شَأْنه فِي أيامنا فَإِذا رَأَيْت سرد أَسمَاء المدرسين فَتذكر السَّبَب وَاعْلَم انهم جَلَسُوا عَن اسْتِحْقَاق وَعلم وَاسع واطلاع كَبِير

وَمن بعض حوادث الشامية مَا حَكَاهُ ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي الذيل قَالَ ولي القَاضِي سري الدّين تدريس الشامية البرانية والجوانية واستمرتا بِيَدِهِ مَعَ أَن الشَّيْخ فتح الدّين ابْن الشَّهِيد وليهما بمرسوم سلطاني فَلم تحصل لَهُ وباشر الْأَوْقَاف بهمة وَقُوَّة نفس وحشمة وكرم والقضاة واعيان الْفُقَهَاء وَغَيرهم كَانُوا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ لما كَانَت فتْنَة تيمورلنك افْتقر وَسَاءَتْ

أَحْوَاله فَنزل عَن حِصَّته فِي نظر الشامية البرانية وَصَارَ مشارفا بهَا ثمَّ قوي عَلَيْهِ الْقُضَاة وَبَعض الْفُقَهَاء واستولوا على غَالب الْأَوْقَاف فَجعل اكثر إِقَامَته بقرية المجيدل الَّتِي هِيَ وقف للشامية الجوانية وَلم يمت حَتَّى رأى فِي نَفسه العبر من الْفقر والفاقة وشماتة الْأَعْدَاء وَكَانَ من شَأْنه قبلا انه عمر الشاميتين بعد الْفِتْنَة وَعمر البرانية مرّة ثَانِيَة لما احترقت فِي فتْنَة النَّاصِر فِي سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة قَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة وَفِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة قبض على تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب الْأنْصَارِيّ نَاظر الشامية البرانية وَطلب مِنْهُ مَال قيل انه ألف وَخَمْسمِائة دِينَار وَضرب وعصر وَبَقِي بَين اثْنَيْنِ دائرا فِي الْبَلَد يستدين وَيسْأل فَإِذا هُوَ تمم الْمبلغ ضرب وعصر ثَانِيًا وَطلب مِنْهُ مبلغ غَيره فَتَأمل وتعجب

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.