تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الشامية الجوانية

قبلي المارستان النوري وَقد كَانَت دَارا لست الشَّام الْمَذْكُورَة فِيمَا سَيَأْتِي فجعلتها بعْدهَا مدرسة وَلم يبْق الْآن من رسمها سوى بَابهَا وبأعلاه بلاطة كَبِيرَة نقش فِيهَا حفرا بعد الْبَسْمَلَة

هَذِه مدرسة الخاتون الْكَبِيرَة الأجلة عصمَة الدّين سِتّ الشَّام أم حسام الدّين بنت أَيُّوب بن شادي رَحمهَا الله أبدتها وَقفا على الْفُقَهَاء والمتفقهين من أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وَالْمَوْقُوف عَلَيْهَا وَعَلَيْهِم وعَلى أَتبَاع ذَلِك جَمِيع الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بمرينة وَجَمِيع الْحصَّة وَهِي أحد عشر سَهْما وَنصف من أَرْبَعَة وَعشْرين سَهْما من جَمِيع المزرعة الْمَعْرُوفَة بجرمانا وَجَمِيع الْحصَّة وَهِي أَرْبَعَة وَعشر سَهْما وَسبع من أَرْبَعَة وَعشْرين سَهْما من الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالثنية وَنصف الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بممجيدل السَّوْدَاء وَجَمِيع الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بمجيدل الْقرْيَة وَذَلِكَ فِي شهر شعْبَان وَمحل التَّارِيخ قد انمحى أَثَره وحفرت البلاطة مَكَانَهُ وحشيت بالطين وَعَما قَلِيل ستذهب البلاطة بأجمعها وَلما وقفت أمامها وتأملتما رَأَيْت بَابهَا الْأَصْلِيّ مَوْجُودا كَمَا مر إِلَّا انه صغر وَصَارَ بَابا للدَّار وجدارها الغربي بَاقٍ وَهُوَ مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ الْكَبِيرَة وَلَقَد ظَفرت بكراريس مَجْمُوعَة بِخَط الْعَلامَة النعيمي فَرَأَيْت بهَا مُخْتَصر الشامية البرانية مَنْقُولًا عَن كتاب مَجْمُوعَة الْوَقْف من فَتَاوَى السُّبْكِيّ الْكُبْرَى فَإِذا هُوَ مبدوء بقوله هَذَا مَا وَقفه فَخر الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الله بن عَليّ بن احْمَد الْأنْصَارِيّ مَا يَأْتِي

ذكره من ذَلِك جَمِيع الدَّار بِدِمَشْق ثمَّ سَاق مَا قدمْنَاهُ آنِفا ومقصوده بِالدَّار الْمدرسَة بِعَينهَا وَزَاد بعد قَوْله بجرمانا من بَيت لهيا وَقَالَ عَن الثَّنية من جُبَّة عَسَّال ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك وَقفا على الخاتون سِتّ الشَّام بنت نجم الدّين أَيُّوب بن شادي ثمَّ على بنت ابْنهَا زمرد خاتون بنت حسام الدّين مُحَمَّد بن عمر بن لاجين ثمَّ على أَوْلَادهَا للذّكر مثل حَظّ الانثيين ثمَّ أَوْلَاد أَوْلَادهَا ثمَّ أنسالهم كَذَلِك فَإِذا انقرضوا وَلم يوجدوا عَاد على الْجِهَات الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فالدار مدرسة على الْفُقَهَاء والمتفقهه الشفعوية المشتغلين بهَا وعَلى الْمدرس بهَا الشَّافِعِي قَاضِي الْقُضَاة زكي الدّين أبي الْعَبَّاس الطَّاهِر ابْن مُحَمَّد بن عَليّ الْقرشِي إِن كَانَ حَيا فان لم يكن حَيا فعلى وَلَده ثمَّ ولد وَلَده ثمَّ نَسْله المنتسبين إِلَيْهِ مِمَّن لَهُ أَهْلِيَّة التدريس فان لم يُوجد فيهم من لَهُ أَهْلِيَّة التدريس فعلى الْمدرس الشَّافِعِي بِهَذِهِ الْمدرسَة وَمن شرطهم أَن يَكُونُوا من أهل الْخَيْر والعفاف وَالسّنة غير منتسبين إِلَى شَرّ وبدعة وَالْبَاقِي من الْأَوْقَاف على مصَالح الْمدرسَة وعَلى الْفُقَهَاء والمتفقهة المشتغلين بهَا وعَلى الْمدرس قَاضِي الْقُضَاة زكي الدّين أَو من يُوجد من نَسْله مِمَّن لَهُ أَهْلِيَّة التدريس وعَلى الإِمَام الْمُصَلِّي بالمحراب بهَا والمؤذن بهَا والقيم الْمعد لكنسها ورشها وفرشها وتنظيفها وَإِيقَاد مصابيحها يبْدَأ من ذَلِك بعمارة الْمدرسَة وَثمن زَيْت ومصابيح وَحصر وَبسط وقناديل وشمع وَمَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَمَا فضل يكون مصروفا إِلَى الْمدرس الشَّافِعِي والى الْفُقَهَاء والمتفقهة والى الْمُؤَذّن والقيم فَالَّذِي هُوَ مَصْرُوف إِلَى الْمدرس فِي كل شهر من الْحِنْطَة غرارة وَمن الشّعير غرارة وَمن الْفضة مائَة وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ فضَّة ناصرية وَالْبَاقِي مَصْرُوف إِلَى الْفُقَهَاء والمتفقهة والمؤذن والقيم على قدر استحقاقهم على مَا يرَاهُ النَّاظر فِي أَمر هَذَا الْوَقْف من تَسْوِيَة وتفضيل وَزِيَادَة ونقصان وَعَطَاء وحرمان وَذَلِكَ بعد إِخْرَاج الْعشْر وَصَرفه إِلَى النَّاظر عَن تَعبه وخدمته ومشارفته للأملاك الْمَوْقُوفَة وتردده إِلَيْهَا وَبعد إِخْرَاج ثَمَانمِائَة فضَّة ناصرية فِي كل سنة تصرف فِي ثمن مشمش وبطيخ وحلواء فِي لَيْلَة نصف شعْبَان على مَا يرَاهُ النَّاظر وَمن شَرط الْفُقَهَاء والمتفقهة والمدرس والمؤذن والقيم أَن يَكُونُوا من أهل الدّين وَالْخَيْر وَالصَّلَاح والعفاف وَحسن الطَّرِيقَة وسلامة الِاعْتِقَاد وَالسّنة وَالْجَمَاعَة وان لَا يزِيد عدد الْفُقَهَاء والمتفقهة المشتغلين بِهَذِهِ الْمدرسَة عَن عشْرين رجلا من جُمْلَتهمْ المعيد بهَا وَالْإِمَام وَذَلِكَ خَارج عَن الْمدرس والمؤذن والقيم إِلَّا أَن يُوجد فِي ارْتِفَاع الْوَقْف نَمَاء وَزِيَادَة وسعة فللناظر أَن يُقيم بِقدر مَا زَاد ونمى ثمَّ بحث السُّبْكِيّ فِي شُرُوط الْوَقْف على طَرِيق الْفُقَهَاء بِمَا يزِيد عَن عشر

وَرَقَات لَيْسَ هُنَا مَحل ببيانها خُصُوصا وَقد انقرضت الْمدرسَة وامتلكت هِيَ وأوقافها

تَرْجَمَة الواقفة قد علمت فِيمَا سبق أَنَّهَا سِتّ الشَّام بنت نجم الدّين أَيُّوب بن شادي بالشين الْمُعْجَمَة وَبعد الآلف دَال مَكْسُورَة وَبعدهَا يَاء مثناة من تَحت قَالَه ابْن خلكان وَقَالَ وَهَذَا الِاسْم أعجمي وَمَعْنَاهُ بالعربي فرحان قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه الصَّغِير توفيت سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة بدارها الْمَعْرُوفَة بالشامية قَالَ ابْن كثير وَهِي أُخْت الْمُلُوك وَقَرِيبَة أبنائهم وَكَانَ لَهَا من الْمُلُوك الْمَحَارِم خَمْسَة وَثَلَاثُونَ ملكا مِنْهُم الْملك الْمُعظم ثوران شاه بِضَم الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْوَاو لَفْظَة أَعْجَمِيَّة مَعْنَاهُ ملك الشرق واصله ترْكَان ثمَّ غيروا حُرُوفه فَقَالَ ثوران وَهُوَ صَاحب الْيمن وَهُوَ مدفون عِنْدهَا فِي تربَتهَا فِي الْقَبْر القبلي من الثَّلَاثَة وَفِي الْأَوْسَط زَوجهَا وَابْن عَمها نَاصِر الدّين صَاحب حمص وَفِي الْقَبْر الثَّالِث ابْنهَا عمر وَيُقَال للتربة الحسامية نِسْبَة إِلَى ابْنهَا حسام الدّين عمر وَكَانَت المترجمة من اكثر النِّسَاء صَدَقَة وإحسانا إِلَى الْفُقَرَاء والمحاويج وَكَانَت فِي كل سنة تعْمل أدوية وعقاقير وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك وتفرقه على الْفُقَرَاء وَقد صنف الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن قَاضِي شُهْبَة كراسة فِي سِتّ الشَّام ومناقبها

وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن شقده فِي منتخب شذرات الذَّهَب سِتّ الشَّام الخاتون أُخْت الْملك الْعَادِل بنت أَيُّوب كَانَت عَاقِلَة كَثِيرَة الْبر وَالصَّدَََقَة وبابها ملْجأ القاصدين وَهِي أم حسام الدّين وَتَزَوجهَا مُحَمَّد بن شيركوه صَاحب حمص وَبنت لَهَا مدرسة وتربة بالعونية على الشّرف الشمالي من دمشق وأوقفت دارها قبيل مَوتهَا مدرسة وَهِي الَّتِي إِلَى جَانب البيمارستان النوري وأوقفت عَلَيْهَا أوقافا كَثِيرَة توفيت فِي ذِي الْقعدَة ودفنت بتربتها بالعونية وَكَانَ كافور الحسامي خَادِمهَا وَكَانَ لَهَا نَيف وَثَلَاثُونَ محرما من الْمُلُوك سوى أَوْلَادهم فاخوتها صَلَاح الدّين والعادل وَسيف الْإِسْلَام وَولده انْتهى

وَقد درس بالشامية الجوانية تَقِيّ الدّين ابْن الصّلاح ثمَّ عبد الرَّحْمَن الْمَقْدِسِي ثمَّ انتزعها من يَده ابْن أبي عصرون وَفِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة كَانَ تَقِيّ الدّين

اللوبياني مُتَوَلِّيًا إِعَادَتهَا وَكَانَت قد عمرت بعد الْفِتْنَة التيمورلنكية وَكَانَت مباشرتها وَقبض معلومها بِيَدِهِ وبيد الْمدرس فَلَمَّا جَاءَ الْأَمِير مُحَمَّد بن منجك نَاظرا على الْأَوْقَاف طلب حِسَابهَا ورسم بتتمة عمارتها وبياضها فَكتب النَّاظر الْحساب وَذهب إِلَيْهِ وتظلم وَكتب بيد اللوبياني عشْرين ألفا وكسورا فرسم أَن تسترجع مِنْهُ وَمن غَيره لأجل الْعِمَارَة وَبعد مداخلات ضرب اللوبياني نَحوا من ثَلَاثمِائَة عَصا وَكَانَ الضَّارِب لَهُ النَّائِب ثمَّ بعد أَن أَخذ نصِيبه من الضَّرْب أطلقهُ وَاعْتذر إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يعرفهُ

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.