تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن العفو

قيل: أسر مصعب بن الزبير رجلاً من أصحاب المختار، فأمر بضرب عنقه فقال: «أيها الأمير! ما أقبح أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلق بأطرافك وأقول: «رب سل مصعباً فيم قتلني» ؟ فقال:

«أطلقوه»، فقال: «أيها الأمير أعل ما وهبت لي من عمري في خفض عيش»، فقال: «أعطوه مائة ألف درهم»، قال: «بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفاً قال: «لم» ؟ قال: لقوله فيك:

إنما مصعب شهاب من اللهتجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفة ليس فيهجبروت ولا له كبرياء

فضحك مصعب وقال: «لقد تلطفت وإن فيك لموضعاً للصنيعة»، وأمر له بالمائة ألف، ولابن قيس الرقيات بخمسين ألف درهم. قيل:

وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية فحبسه، ثم سأل عنه الرشيد فقيل: «هو كثير الصلاة والدعاء»، فقال للموكل به: «عرض له بأن تكلمني وتسألني إطلاقه»، فقال له الموكل ذلك، فقال: «قل لأمير

المؤمنين أن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب، والموعد الصراط، والحاكم الله»، فخر الرشيد مغشياً عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه. وقيل: ظفر المأمون برجل كان يطلبه فلما دخل عليه قال: يا عدو لله أنت الذي تفسد في الأرض بغير الحق. يا غلام خذه إليك فاسقه كأس المنية». فقال: «يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال» ؟ قال: «لا سبيل إلى ذلك» فقال: «يا أمير المؤمنين فدعني أنشدك أبياتاً». قال: هات. فأنشده:

زعموا بأن الباز علق مرةعصفور بر ساقه المقدور
فتكلم العصفور تحت جناحهوالباز منقض عليه يطير
ما بي لما يغني لمثلك شبعةًولئن أكلت فأنني لحقير
فتبسم الباز المدل بنفسهكرما وأطلق ذلك العصفور

فقال له المأمون: «أحسنت. ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك»، فأطلقه وخلع عليه ووصله. وعن بعضهم أن والياً أتى برجل جنى جناية، فأمر بضربه، فلما مد قال: «بحق رأس أمك ألا ما عفوت عني». قال: أوجع. فقال: «بحق خديها ونحرها»، قال:

اضرب. قال: «بحق ثدييها»، قال: اصرب. قال: بحق سرتها».

قال: ويلكم دعوه لا ينحدر قليلاً».

وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل إذا ظلم فلم ينتصر، ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا، قال الله له: لبيك عبدي أنصرك عاجلاً وآجلاً». وقال ﷺ في قولهم: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وقد سئل عن ذلك فقيل: أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ فقال: «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه». وقال فضيل بن عياض: «بكى أبي فقلت: ما

يبكيك؟ فقال: أبكي على ظالمي. ومن أخذ مالي، أرحمه غداً إذا وقف بين يدي الله ﷿، وسأله فلا تكون له حجة». وقال الحسن البصري:

«أيها المتصدق على السائل يرحمه، ارحم أولاً من ظلمت». وروي عن عبد الله بن سلام قال: «قرأت في بعض الكتب: قال الله ﷿: «إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني». قال خالد بن صفوان:

«إياكم ومجانيق الضعفاء (يعني الدعاء).

وضده، قيل: لما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم السلمي، وفيه وقعته بالبشر: «قوض الله عمادك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دمي، وأعاليهن ندي»، قال لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت سبيلها». فبلع ذلك الحسن البصري فقال: «أما الجحاف فجذوة من نار جهنم». قال: ولما بنى زياد بناء البصرة، أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس، فأتى برجل تلا آية: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون». قال: «وما دعاك إلى هذا» ؟ قال: آية من كتاب الله ﷿ خطرت على بالي فتلوتها، والله لأعلمن فيك بالآية الثانية: «وإذا بطشتم جبارين» ثم أمر به فبني عليه ركن من أركان القصر.

قال وبعث زياد إلى رجل من بني تميم فقال: «أخبروني بصلحاء كل ناحية»، فأخبروه، فاختار منهم رجالاً فضمنهم الطريق، وقال: «لو ضاع بيني وبين خراسان حبل لعلمت من لقطه». وكان يدفن الناس أحياء، وينزع أضلاع اللصوص.

قال: وقال عبد الملك للحجاج: «كيف تسير في الناس» ؟ قال:

«انظر إلى عجوز أدركت زياداً، فاسألها عن سيرته، فاعمل بها»، فأخذ والله بسنته حتى ما ترك منها شيئاً. وذكروا أن الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى الحسن بن الحسن ﵁ فقال: «هات سيف رسول الله ﷺ ودرعه»، قال: «لا أفعل»، قال: فجاء الحجاج بالسيف والسوط فقال:

«والله لأضربنك بهذا السوط حتى أقطعه، ثم لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني بهما»، فقال الناس: «يا أبا محمد لا تعرض لهذا الجبار»،

قال: فجاء الحسن بسيف رسول الله ﷺ ودرعه فوضعهما بين يدي الحجاج، فأرسل الحجاج إلى رجل من بني أبي رافع مولى رسول الله ﷺ فقال له: «هل تعرف سيف رسول الله ﷺ» ؟ قال: «نعم»، فخلطه بين أسيافه ثم قال: «أخرجه». ثم جاء بالدرع فنظر إليها، ثم قال: «هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك، فطعن بحربة فخرقت الدرع فعرفناها»، فوجد الدرع على ما قال. فقال الحجاج: «أما والله لو لم تجئني به، وجئت بغيره لضربت به رأسك». وذكروا أن الحجاج قال ذات ليلة لحاجبه: «أعسس بنفسك، فمن وجدته فجئني به فلما أصبح أتاه بثلاثة، فقال: «أصلح الله الأمير ما وجدت إلا هؤلاء الثلاثة»، فقال الحجاج لواحد منهم: «ما كان سبب خروجك بالليل وقد نادى المنادي أن لا يخرج أحد بالليل»، قال: «أصلح الله الأمير كنت سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل»، ففكر ساعة ثم قال: «سكران غلبه سكره خلوا عنه لا تعودن». ثم قال للآخر: «فأنت ما كان سبب خروجك» ؟ قال: «أصلح الله الأمير كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت»، ففكر الحجاج ساعة فقال: «رجل أحب المسالمة خلوا عنه»، ثم قال للآخر: «ما كان سبب خروجك» ؟ فقال: «لي والدة عجوز، وأنا رجل حمال فرجعت إلى بيتي فقالت والدتي: ما ذقت إلى هذا الوقت طعاماً ولا ذواقاً، فخرجت التمس لها ذلك فأخذني العسس» ففكر ساعة ثم قال:

«يا غلام اضرب عنقه، فإذا رأسه بين رجليه».

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.