تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن الشكر

قال بعض الحكماء: «صن شكرك عمن لا يستحقه، واستر ماء وجهك بالقناعة». وقال الغضل بن سهل: «من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة فليكف، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره». ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:

لقد ثبتت في القلب منك مودةكما ثبتت في الراحتين الأصابع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «نهاري نهار الناس حتى إذا بدا»

قال: واصطنع رجل رجلاً فسأله يوماً: «أتحبني يا فلان» قال: «نعم احبك حبا لو كان فوقك لأظللك، أو كان تحتك لأقللك». وقال كسرى أنوشروان: «المنعم أفضل من الشاكر، لأنه جعل له السبيل إلى الشكر».

واختصر حبيب بن أوس هذا في مصراع واحد فقال:

لهان علينا أن نقول وتفعلا

قال الباهلي عن أبي فروة: مكتوب في التوراة: «أشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت، ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر زيادة في النعم، وأمان من الغير». وقال رسول الله ﷺ: «خمس تعاجل صاحبهن بالعقوبة: (البغي، والغدر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، ومعروف لا يشكر)، وأنشد الحطيئة عمر، وكعب الأحبار عنده:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فقال كعب: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي قال هذا؟ هو مكتوب في التوراة» ؟ فقال عمر: «كيف ذلك» ؟ قال في التوراة مكتوب: «من يصنع الخير لا يضيع عندي لا يذهب العرف بيني وبين عبدي».

وقيل لرسول الله ﷺ: «أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فما هذا الاجتهاد» ؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً». وفي الحديث «أن رجلاً قال في الصلاة خلف رسول الله ﷺ: «اللهم ربنا لك الحمد حمداً مباركاً طيباً زكياً»، فلما انصرف ﷺ، قال: «أيكم صاحب الكلمة» ؟ قال أحدهم: «أنا يا رسول الله». فقال: «لقد رأيت سبعة وثلاثين ملكا يتبدرون أيهم يكتبها أولاً» وقيل: «نسيان النعمة أول درجات الكفر». وقال أمير المؤمنين علي ﵁: «المعروف يكفر من كفره لأنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين»، وقد قيل في ذلك:

يد المعروف غنم حيث كانتتحملها كفور أم شكور
فعند الشاكرين لها جزاءوعند الله ما كفر الكفور

وقال بعض الحكماء: «ما أنعم الله على عبد نعمة فشكر عليها إلا ترك حسابه عليها». وقال بعض الحكماء: «عند التراخي عن شكر النعم تحل عظائم النقم». وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يقول لعائشة ما فعل بيتك فتنشده:

يجزيك أو يثنى عليك وإن منأثنى عليك بما فعلت كمن جزى
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة

فيقول ﷺ: «صدق القائل، يا عائشة، إن الله إذا أجرى على يد رجل خيرا فلم يشركه، فليس لله بشاكر». وقيل لذي الرمة: «لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك» ؟ قال: «لأنه وطأ مضجعي، وأكرم مجلسي، وأحسن صلتي، فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري». ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قال بزرجمهر: «من انتظر بمعروفه شكرك عاجل المكافأة»، وقال بعض

لحكماء: «إن الكفر يقطع مادة الإنعام، فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر». وقال علي بن عبيدة: «من المكارم الظاهرة، وسنن النفس الشريفة، ترك طلب الشكر على الإحسان، ورفع الهمة عن طلب المكافأة، واستكثار القليل من الشكر، واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه ... وفصل من كتاب ولست أقابل أياديك، ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله للنعم حارساً، وللحق مؤديا، وللمزيد سببا».

وضده، قال بعض الحكماء: «المعروف إلى الكرام يعقب خيراً، وإلى اللئام يعقب شراً، ومثل ذلك مثل المطر، يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤاً، وتشرب منه الأفاعي فيعقب سماً». وقال سفيان: «وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام». وقال: «أثار جماعة من الأعراب ضبعاً، فدخلت خباء شيخ منهم، فقالوا: «أخرجها»، فقال: «ما كنت لأفعل، وقد استجارت بي» فانصرفوا وقد كانت هزيلاً، فأحضر لها لقاحاً، وجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه فقتلته. فقال شاعرهم في ذلك:

ومن يصنع المعروف في غير أهلهيلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
للشاعر أحمد بن علي بن مشرف، اقرأ القصيدة
أقام لها لما أناخت ببابهلتسمن ألبان اللقاح الدرائر
فأسمنها حتى إذا ما تمكنتفرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء منيجود بإحسان إلى غير شاكر

قيل: وأصاب إعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها. فقال الأعرابي يذكر ذلك:

غذتك شويهتي ونشأت عنديفمن أدراك أن أباك ذيب
فجعت نسيةً وصغار قومبشاتهم وأنت لها ربيب
إذا كان الطباع طباع سوءفليس بنافع أدب الأديب

وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وأنشد:

هم سمنوا كلباً ليأكل بعضهمولو عملوا بالحزم ما سمنوا كلبا

وقال آخر:

وإني وقيساً كالمسمن كلبهفخدشه أنيابه وأظافره

ويضرب المثل بسنمار، وكان بني للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه وكره أن يبني لغيره مثله فرمى يه من أعلاه فمات، فقيل فيه:

جزينا بني سعد بحسن بلائهمجزاء سنمار وما كان ذا ذنب

وقال بشار:

أثني عليك ولي حال تكذبنيفيما أقول فأستحيي من الناس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ابن العلاء ويا ابن القرم مرداس»
قد قلت إن أبا حفص لأكرم منيمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أثني عليك ولي حال تكذبني»
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفدطأطأت من سوء حالي عندها راسي
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ابن العلاء ويا ابن القرم مرداس»

ولأبي الهول:

كأني إذ مدحتك يا ابن معنرآني الناس في رمضان أزني
فإن أك رحت عنك بغير شيءفلا تفرح كذلك كان ظني

وقال آخر:

لحى الله قوماً أعجبتهم مدائحيفقالوا مقالاً في ملام وفي عتب
أبا حازم تمدح. فقلت معذراًهبوني امرأً جربت سيفي على كلب

وقال آخر:

عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمنلكنه يشتهي حمداً بمجان
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاًحتى يروا عنده آثار إحسان

وقال آخر:

يحب المديح أبو خالدويغضب من صلة المادح
كبكر تحب لذيذ النكاحوتجزع من صولة الناكح

وقال آخر:

ولو كان يستغني عن الشكر سيدلعزة ملك أو علو مكان
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
لما أمر الله العباد بشكرهفقال اشكروني أيها الثقلان
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.