من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن الصبر على الحبس
قال الكسروي: وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المحبسين: «من صبر على النازلة، كان كمن لم تنزل به، ومن طول في الحبل كان فيه عطبه، ومن أكل بلا مقدار تلفت نفسه». قيل ودخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس فقال يخاطبه:
اصبر لها صبر أقوام نفوسهملا تستريح إلى عقل ولا قود
فقال الأفشين: «من صحب الزمان لم ينج من خيره أو شره ووجد الكرامة والهوان، ثم قال:
لم ينج من خيرها أو شرها أحدفاذكر شوائبها إن كنت من أحد
خاضت بك المنية الحمقاء غمرتهافتلك أمواجها ترميك بالزبد
ولعلي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
قالت حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيلهكبراً وأوباش السباع تردّد
والنار في أحجارها مخبوءةلا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والبدر يدركه الظلام فتنجليأيامه وكأنه متجدد
والزاعبية لا يقيم كعوبهاإلا الثقاف وجذوة تتوقد
غير الليالي بادئات عودوالمال عارية يفاد وينفد
لا يؤيسنك من تفرج كربةخطب أتاك به الزمان الأنكد
فلكل حال معقب ولربماأجلى لك المكروه عمّا تحمد
كم من عليل تخطاه الردىفنجا ومات طبيبه والعود
صبراً فإن اليوم يعقبه غدويد الخلافة لا تطاولها يد
والحبس ما لم تغشه لدنيةشنعاء نعم المنزل المتورد
لو لم يكن في الحبس إلّا أنّهلا يتسذلّك بالحجاب الأعبد
بيت يجدد للكريم كرامةًويزار فيه ولا يزور ويحمد
أبلغ أمير المؤمنين ودونهخوف العدا ومخاوف لا تنفد
أنتم بنو عم النبي محمدأولى بما شرع النبي محمد
ما كان من حسن فأنتم أهلهكرمت مغارسكم وطاب المحتد
أمن السوية يا ابن عم محمدخصم تقربه وآخر يبعد
يا أحمد ابن أبي دؤاد إنماتدعى لكل كريهة يا أحمد
إن الذين سعوا إليك بباطلأعداء نعمتك التي لا تجعد
شهدوا وغبنا عنهم فتحكموافينا وليس كعائب من يشهد
لو يجمع الخصماء عندك منزليوماً لبان لك الطريق الأرشد
والشمس لولا أنها محجوبةعن ناظريك لما أضاء الفرقد
وضده، أنشدنا عاصم بن محمد الكاتب لنفسه، لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف قوله:
قالت: حبست. فقلت: خطب أنكدأنحى علي به الزمان المرصد
لو كنت حراً كان سربي مطلقاًما كنت أحبس عنوةً وأقيد
لو كنت كالسيف المهند لم يكنوقت الكريهة والشدائد يغمد
لو كنت كالليث الهصور لما رعتفي الذئاب وجذوتي تتوقد
من قال إن الحبس بيت كرامةفمكاثر في قوله متجلد
ما الحبس إلا بيت كل مهانةومذلة ومكاره لا تنفد
إن زارني فيه العدو فشامتيبدي التوجع تارةً ويفند
أو زارني فيه المحب فموجعيذري الدموع بزفرة تتردد
يكفيك أن الحبس بيت لا يرىأحد عليه من الخلائق يحسد
تمضي الليالي لا أذوق لرقدةطعماً وكيف يذوق من لا يرقد
في مطبق فيه النهار مشاكللليل والظلمات فيه سرمد
فإلى متى هذا الشقاء مؤكدوإلى متى هذا البلاء مجدد
ما لي مجير غير سيدي الذيما زال يكفلني فنعم السيد
غذيت حشاشة مهجتي بنوافلمن سيبه وصنائع لا تجحد
عشرين حولاً عشت تحت جناحهعيش الملوك وحالتي تتزيد
فخلا العدو بموضعي من قلبهفحشاه جمراً ناره تتوقد
فاغفر لعبدك ذنبه متطولاًفالحقد منك سجية لا تعهد
واذكر خصائص خدمتي ومقاوميأيام كنت جميع أمري تحمد
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ﵃:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلهافلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا دخل السجان يوماً لحاجةعجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثناإذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئهاوإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا
وقال آخر:
ألا أحد يدعو لأهل محلةمقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهمولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى
وقال ابن المعتز:
تعلمت في السجن نسج التككوكنت امرأ قبل حبسي ملك
وقيدت بعد ركوب الجيادوما ذاك إلا بدور الفلك
ألم تبصر الطير في جوهاتكاد تلاصق ذات الحيك
إذا أبصرته خطوب الزمانأوقعنه في حبال الشرك
فهذاك من حالك قد يصادومن قعر بحر يصاد السمك
ووجد في البيت الذي قتل فيه، مكتوب بخطه على الأرض:
يا نفس صبراً لعل الخير عقباكخانتك بعد طوال الأمن دنياك
مرت بنا سحراً ظير فقلت لهاطوباك يا ليتني إياك طوباك
وقال إعرابي:
ولما دخلت السجن كبر أهلهوقالوا أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاتهبانك تنزو ثم سوف تلين
وفي الحديث المرفوع (إن يوسف ﵇ شكا إلى الله تعالى طول الحبس فأوحى إليه أنت حبست نفسك حين قلت: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه)، ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت. قال: وكتب يوسف ﵇ على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع