تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن المودة

قال بعض الحكماء: ليس للإنسان تنعم إلا بمودات الاخوان وقال آخر: الازدياد من الاخوان زيادة في الآجال وتوفير لحسن الحال، وقيل:

عاشر الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم، وقال:

قد يمكث الناس حينا ليس بينهمود فيزرعه التسليم واللطف
يسلى الشقيقين طول النأي بينهماوتلتقي شعب شتى فتأتلف

وقال علي بن أبي طالب ﵁ لابنه الحسين: ابذل لصديقك كل مودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة وأعطه كل المواساة ولا تفش إليه كل الأسرار. وقال العباس بن جرير: المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح وانس النفوس ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون الإنفاق في الخصال. وقال بعضهم: من لم يواخ من الأخوان إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على غير ذنب كثر عدوه. وكان يقال: أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان. وقال الشاعر في مثله:

لعمرك ما مال الفتى بذخيرةولكن إخوان الثقاب الذخائر

وضده، قال المأمون: الأخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغني عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه.

وكتب بعض الكتاب أن فلاناً أولاني جميلاً من البشر مقروناً بلطيف من الخطاب في بسط وجه ولين كنف، فلما كشفه الامتحان بيسير الحاجة كان

كالتابوت المطلي عليه بالذهب المملوء بالعذرة أعجبك حسنه ما دام مطيفاً فلما فتح آنذاك نتنه فلا أبعد الله غيره، ومما قيل في ذلك:

والله لو كرهت كفي منادمتيلقلت للكف بيني إذ كرهتني

وقال آخر:

ولو أني تخالفني شماليلما اتبعتها أبداً يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بينيكذلك اجتوي من يجتويني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

وقال آخر:

من لم يزدك فلا تردهليكن كمن لم تستفده
باعد أخاك ببعدهفإذا نأى شبراً فزده
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «مَنْ لم يُردكَ فلا تُردِهُ»

وقال آخر:

تود عدوي ثم تزعم أننيأودك إن الرأي منك لعازب
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «تود عدوي ثم تزعم أنني»
وليس أخي من ودني رأي عينهولكن أخي من ودني وهو غائب

وقال آخر:

إن اختيارك لا عن خبرة سلفتإلّا الرجاء وما يخطيء النظر
كالمستغيث ببطن السيل يحسبهحرزا يبادره إذ بله المطر

وقال آخر:

وصاحب كان لي وكنت لهأشفق من والد ومن ولد
وكان لي مؤنسا وكنت لهليست بنا وحشة إلى أحد
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
كنا كساق مشت بها قدمأو كذراع نيطت إلى عضد
حتى إذا أمكن الحوادث منحظي وحل الزمان من عقدي
أزور عني وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي
حتى إذا استرفدت يدي يدهكنت كمسترفد يد الأسد
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

فيا عجبا لمن ربيت طفلاالقمه بأطراف البنان
للشاعر مالك بن فهم الأزدي، اقرأ القصيدة
أعلمه الرماية كل يومفلما اشتد ساعده رماني
للشاعر ابن أبي حصينة، اقرأ القصيدة
أعلمه الفتوه كل حينفلما طر شاربه جفاني
أعلمه الرواية كل وقتفلما صار شاعرها هجاني

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.