من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن الولايات
سئل عمار بن ياسر ﵁ عن الولاية فقال: هي حلوة الرضاع مرة الفطام. وذكروه أنه كان سبب عزل الحجاج بن يوسف عن المدينة، وقد وفد من أهل المدينة منهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان، فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان. قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال:
وليت علينا الحجاج بن يوسف يسير بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق والله لئن أعدته علينا لنعصيك ملكك، فقال له عبد الملك: انصرف والزم بيتك ولا تذكرن من هذا شيئاً، قال: فقام إلى منزله وأصبح الحجاج غادياً إلى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيراً فقد أبدلني بكم خيراً وأبدلكم بي غيري وولاني العراق.
وعن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عند ما استعفى أهل العراق من الحجاج قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم، يعني أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك- مكان الحجاج؟ فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق استعفوا عثمان بن عفان من سعيد بن العاص فلما عفاهم منه ساروا إليه من قابل وقتلوه، فقال: صدق ورب الكعبة، وكتب
إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له.
وضده، كتب عبد الصمد بن المعذل إلى صديق له ولي النفاطات فأظهر تيهاً:
لعمري لقد أظهرت تيهاً كأنماتوليت للفضل بن مروان عكبرا
دع الكبر واستبق التواضع إنهقبيح بوالي النفط أن يتغيرا
لحفظ عيون النفط أحدثت نخوةًفكيف به لو كان مسكاً وعنبرا
وقال ابن المعتز:
كم ثائه بولايةوبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيبوخماره صعب شديد
وقال آخر:
لا تفرحن فكل وال يعزلوكما عزلت فمن قريب تقتل
وكذا الزمان بما يسرك تارةًوبما يسوءك تارةً يتنقل
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع